تقديرموقف

  • من يحكمُ تونس اليوم؟ ratEREsc اثنين, 06/14/2021 - 10:10 من يحكمُ تونس اليوم؟

     

    في تونس اليوم ثمّة انسجامٌ معلنٌ بين الرئاسات الثلاث حول أسباب الأزمتين الاقتصادية والاجتماعيّة ومسبّباتهما وانعكاساتهما، واعتبار أنّ ما تعيشهُ البلاد هو الأخطر على الإطلاق منذ عقود، بيد أنّ هذا الانسجام لا يغادرُ قطّ منطقة "الشكل" أو بالأحرى منطقةَ التصريحات الإعلاميّة، لا بسبب فتور العلاقة بين المقاطعات الثلاث التي تتحكمّ في مصير 12 مليون تونسي، وسياسة الضرب تحت الحزام التي ينتهجها هذا الطرفُ أو ذاك، ولا حتّى بسبب طبيعة النظام السياسي الذي لا يمنحُ سلطات مطلقة لأيّ رئيس من الرؤساء الثلاثة، مفضّلا "توزان الرّعب" على "نجاعة العمل السياسي" فحسب، وإنّما لسبب آخر بالتأكيد، هو تخوّف كلّ طرفٍ من هذه المرحلة الحليقة على الصفر، حدّ تقاذف الكرة على مرأى ومسمع من الشعب التونسي.
    والحق أنّ لا أحد من الرؤساء الثلاث أثبت إلى حدّ الآن أنّهُ قادرٌ على المبادرة والتقدّم إلى إدارة دفّة السفينة التي تتقاذفها الأمواجُ الهائجة، بل العكسُ هو ما يحصلُ، إذ بات واضحًا إحجامُ كلّ طرفٍ عن التورّطِ في ما يحدثُ بالبلد، تخوّفا من تغيّر مفاجئ في المعادلة السياسية.

    أشباح قيس سعيّد

     ولنبدأ برئيس لجمهوريّة قيس سعيّد الذي تحوّل إلى أحد رؤوس الأزمة السياسية الأخيرة التي تعرفها البلاد، بعد انقطاع حبلي الودّ والتواصل بينه وبين رئيسي الحكومة ومجلس نوّاب الشعب.
     فرئيس الدولة ما يزالُ إلى الآن مصرّا بالذهاب إلى الأزمة إلى حدّ الصدام إن لزم الأمر، غير مبالٍ باستتباعات عدم استكمال الجهاز الحكومي، واستمرار وضعيّة "الإنابة"، على وضعيّة الدولة وعلاقاتها الخارجيّة، خاصة في جانبها الماليّ. وما عدا بعض التصريحات من هنا أو هناك، بدا الرئيس وكأنّه يعيشُ على سطح كوكبٍ درّي، بعيد آلاف الأميال الضوئية عن بلدٍ تنهشهُ صراعات السلطة، بين أحزاب الحكم والمعارضة، على حساب القضايا المركزية للبلد. وإذ يبدو موقفُ الرئيس مفهوما، بالنظر إلى مسؤوليّته في اختيار المشيشي، اختيارٌ وسم الحكومة في بدايتها بوسم "حكومة الرئيس"، ولكن ذلك لا يفسّر بالنهاية عجزهُ عن تجاوز "الضغائن"، والخروج من جلباب رجل القانون الصارم والمتكلّس، ولعب دوره كرمز موحّد للتونسيين.
    الأغربُ من ذلك، أنّ الرئيس لم ينفكّ في تصريحاته الإعلامية في الداخل والخارج، عن الإشارة إلى وجود مؤامرات تحاكُ ضد البلاد، ومحاولات انقلابية، ومتآمرين يتربصون شرّا بتونس، دون أن يسميهم أو يعينهم باصبعه الرئاسيّ، ما حوّل الأمر إلى حفل أشباح نسمعُ عنهُ ولا نراه. ثمّ ما الذي حقّقهُ الرئيس منذ وصوله إلى قصر قرطاج؟ صحيح أنّه بات يتحرّك خارجيّا على أرضيّة صلبة، وقد غادره ارتباك البدايات، لكنّ داخليّا، لم ينهضُ الرئيس بدوره "الرئاسي" إلى حدّ الآن، وذلك على مدى سنتين كاملتين، فلا هو قدّم مبادرات ولا هو أثبت أنّ لهُ الكلمة الفصل، باعتباره الوحيد المنتخب على نحو مباشر من الشعب التونسي، بل ما صرنا نعاينهُ بامتعاض كبير، من عزفٍ غامض على انقسامات التونسيين، بلغ حدّ التشويه والتخوين، ينسفُ عمليّا صورتهُ كضامن وحيد لوحدة التونسيين، فضلاً عن استتباعات ذلك، اقتصاديّا واجتماعيا، في وقت تحتاجُ فيه البلاد إلى عقلٍ "متحرّر" يقودُ المرحلة بدهاء وحنكةٍ، حتى وان اقتضى الأمرُ تقبيل أفواه الأفاعي.

    صداع راشد الغنوشي

    من جهتهِ لم يتوقّع رئيس مجلس نواب الشعب، راشد الغنوشي، أن يضعهُ كرسيّ الرئاسة الذي لهث خلفهُ، أمام أشد كوابيسهِ ضراوةً، ففقد كلّ قيمته الاعتبارية، كرجل ظلّ يتحكم في اللعبة السياسة من وراء الستار، وكمحكم في توازنات المشهد السياسي، خصوصا بعد رحيل الباجي قائد السبسي، ومن ثمّة تحوّلَ إلى هدف محبّذٍ لسهام النقد، سواء من خصومهِ الأيديولوجيين، أو حلفائه المقرّبين أو حتّى من أبناء حركتهِ، على خلفية تحركاته هو وأقاربه من أجل تمديد عهدته على رأس حركته. إنّ خروج راشد الغنوشي من "السريّة" إلى العمل السياسي العلني، وفي موقع هو الأخطر على الإطلاق، باعتبار أن البرلمان هو مصدر السلطة الأساسي، أفقد الأسطورة بريقها وسحرها وأظهرهُ في مظهر العاجز أمام خصومه، يتلقى انتقاداتهم وشتائمهم دون قدرة على الردّ. والواقع، أن الغنوشي وجد نفسهُ مسحوبا إلى لعبةِ تفتيتٍ للسلطة كان هو من ابتكرها، بسبب إصراره على التخندق سياسيا وفكريا وراء أطراف إقليمية، ما أنساهُ تمامًا حسابات الداخل. إذ اصطدم برئيس الجمهورية في أكثر من موقعة، وبالأحزاب المشكلة للائتلاف الحاكم، ناهيك عن خصمه اللدود داخل المعارضة، أي الحزب الدستوري الحرّ. أضف إلى ذلك، يبدو "شيخ مونبليزير" منشغلاً أكثر بترتيبات حزبهِ الداخلية، وتوفير الظروف الملائمة لكي يخلف نفسهُ بنفسه على رأس الحزب، وهو ما أبعدهُ نسبيا عن المساهمة بفاعليّة في إدارة الشأن العامّ تشريعيّا على الأقل، وتكفي إطلالة بسيطة على عدد مشاريع القوانين التي تقدمت بها حركة النهضة، وطبيعتها، حتّى نقفَ عن على فراغ "جعبة" الحزب الأغلبيّ ورئيسهِ، علاوةً على تخوّفه من تحمّل مسؤوليّة إدارة المرحلة برمّتها وهو ما يفسّرُ اختباءه المزمن وراء معارضة رئيس الجمهورية ودفاعه "الأرعن" عن حزام سياسيّ هشّ،  ما يكشف خوفه من المخاطرة بموقعه، على الأقلّ في هذه المرحلة. 

    أخطاء المشيشي

    ثالث الثلاثة، المحظوظ والمتغطرس في الآن نفسه، هو هشام المشيشي الذي تسبّبت أخطاءه الكثيرة في إدخال البلاد في دوّامة جديدةٍ، عنوانها الرئيس الأزمة المالية. كان على المشيشي منذ البداية أن يحفظ ماء وجههِ ويستقيل بعد رفض رئيس الدولة المصادقة على تركيبته الحكومية، بيد أنّه خيّر أن يهرول على الأمام، رغم أن النتيجة قد تكون هي نفسها، أي الخروج من الباب الصغير مع الإذلال. وههنا، سنكتفي بالإشارةِ إلى أنّ المشيشي ليس أفضل حالاً من شريكيه في السلطة التائهة، إذ بات بدورهِ عاجزًا عن إدارة الشأن العامّ، بعد أن فقد رصيدهُ الأخلاقيّ، رغم استماتة حزامه السياسي في الدفاع عنه، وهي استماتة مرتبطة أساسا بتخوّف أحزاب التحالف من تحرّكات طبقات المشهد السياسي التكتونية، وتعاظم دور الدستوريّ الحرّ إلى حدّ بات معه قادرًا على ابتلاع نصف المشهد برمّته، علاوةً على مناورات رئيس الجمهورية، على الأقل في شقها القانوني، وإدراكها بأنّ سقوط الحكومة، يعني آليا تغيّر المعادلة السياسية وعلى نحوٍ دراميّ. ومن ثمّ فإنّ دفاع الوسادة السياسية عن المشيشي لم يكن يوما (ولن يكون) دفاعا مبدئيّا بقدر ما هو استباقٌ لمرحلة مجهولة، تعوزها التجربة السياسية على خوض غمارها، عكس الدستوريّ الحرّ الذي بات قادرًا على استيعاب تقلّبات المشهد السياسي. وكلّ هذا لم يكنُ له أن يحدث لو لم يحنث المشيشي بقسمهِ ويخرق الدستور والقوانين من أجل مصالح شخصيّة ضيّقة وتحقيق منافع له ولشركائه السياسيين. وباستثناء أخطاء رئيس الحكومة المتراكمة، ليس ثمّة ما يستحق الحديثُ عنهُ كحصيلة إيجابية، فالحصاد الاقتصادي سلبيّ، وثقيلٌ للغاية، وفجوات المالية العمومية آخذة في الاتساع، وافلاس الدولة بات على مرمى البصر، فضلاً عن تصاعد وتيرة الاحتجاجات التي لم يجد بدّا من استخدام العصا الأمنية للتعامل معها، وهو ما أسقطهُ نهائيا من حسابات الشعبُ التونسي.
    ممّا تقدّم، تبدو الصورة أكثر من مؤلمة لنا كتونسيين، مع رئاسات مفتّتة، وحسابات سياسية ضيّقة نسفت أيّ أمل في الإصلاح، وأخطاء قاتلة كشفت الوجه القبيح للفساد المؤسساتي، وغياب إرادة حقيقية في معالجة أعطاب البلد، طالما أنّ هدف القيادات الثلاث، هو إنهاء العهدة، دون خسائر جسيمة، حتى وإن كانت تونس وشعبها هما الخاسر الأكبر في كلّ ذلك.
     

  • هكذا أفشلت حركة النهضة زيارة هشام المشيشي إلى الدوحة ! ratEREsc خميس, 06/03/2021 - 09:09 هكذا أفشلت حركة النهضة زيارة هشام المشيشي إلى الدوحة !

     

    انتظر المتابعون للشأن الحكومي أن تبادر رئاسة الحكومة إلى الإعلان عن نتائج زيارة السيد هشام المشيشي، رئيس الحكومة ووزير الداخليّة بالنيابة، إلى دولة قطر وهو ما لم يحدثُ البتّة، كما أنّ الحوار الذي أدلى به المشيشي لوكالة الأنباء القطرية "قنا" لم يخرج هو الآخر عن "الكليشيهات الإنشائية" و"الكلام المرسل الفضفاض" الذي لا يقولُ شيئًا، وهو ما يقيمُ الدليل مجدّدًا على أنّ حصاد زيارة الدوحة لا يمكنُ وضعهُ إلاّ في خانة "الفشل المدوّي".
     على أنّ هذا لا يعني تحميل المسؤوليّة إلى هشام المشيشي، فالرّجل مطالبٌ، بحكم منصبه، بالتحّرك في كلّ الاتجاهات من أجل توفير التمويلات اللازمة لميزانيّة جفّ ضرعها علاوةً على ما تطرحهُ جائحة كورونا من تحدّيات بالجملة، خاصة على مستوى توفير اللقاحات، وهو ما يحتّم الرّفع من نسق التحرّكات في كلّ الاتجاهات، لإنقاذ ما يمكنُ إنقاذه. وإذ قلنا أنّ رئيس الحكومة لا يتحمّلُ عبء فشل زيارتيه الأخيرتين إلى طرابلس والدوحة، فذلك لأنّ الظروف المحيطة بالزيارتين، وخصوصًا ما صدر عن مستشاري راشد الغنوشي، رئيس البرلمان وحركة النهضة، ساهم في تظليل الرأي العام عبر ترويج جملةٍ من المغالطات- كي لا نقول الأكاذيب- الفاضحة، بخصوص الدور المزعوم لراشد الغنوشي في ترتيب زيارتي ليبيا وقطر، فضلاً عن الأرقام الفلكية التي قدموها، وهو ما اتضح زيفه في ما بعد.

    دبلوماسية الظل

    وقبل تبيان زيف ادعاءات قيادات حركة النهضة ومغالطاتها، نرى من المهمّ في البداية أن نشير إلى أنّ تحرّكات راشد الغنوشي، زعيم النهضة التاريخي، كانت بمعزلٍ عن تحرّكات رئيس الحكومة، وإن أثّرت عليها بطريقةٍ مّا. فما بات معلومًا بالضرورة للمتابعين والمحللين، أنّ "تفاقم" نشاط الغنوشي الديبلوماسي، أو ما بات يعرفُ بــ "ديبلوماسيّة الظلّ"، لم يكن ثمّة من داعٍ وراءهُ سوى محاولة فهم ما يحدثُ على السّاحة الدولية، ومعرفة مواقف "الداعمين التقليديين" للحزب الإسلامي من المتغيّرات الحاصلة محليّا وإقليميا، بل ومحاولة معرفة مواقفهم من الحزب الإسلامي نفسهُ.
    ولنتفق بدايةً على أنّ راشد الغنوشي أخطأ في حقّ نفسه أوّلاً حين بادر إلى مراسلة البيت الأبيض، من خلال حملة إعلانية مدفوعة الأجر في صحيفة "يو آس أي توداي"، لاستعداء الإدارة الجديدة على رئيس الجمهورية قيس سعيّد، الذي وصفهُ الغنوشي بالطامح إلى إعادة الدكتاتورية إلى تونس، وعلى الأمينة العامّة للحزب الدستوري الحرّ، عبير موسي. وإذ يبدو هذا التفصيل لغير العارف غير هامٍّ وغير ذي صلة بنتائج زيارتي المشيشي إلى كلّ من ليبيا وقطر، فإنّ المنطق يقولُ، ومعهُ الوقائع أيْضًا، إنّ شيخ "النهضة" لم يدرك بعد أنّ رياح التغيير، دوليا وإقليميا، هبّت في غير مصالحهِ هو وكلّ من وضع نفسه في خدمة الأجندة التركيّة. ومع ذلك، حاولت قيادات النهضة إيهام الداخل التونسي بأنّ علاقات الحزب مع الإدارة الأمريكية هي جدّ متطورة، وهو ما كذبتهُ الوقائع. والأمرُ نفسهُ ينسحبُ أيضا على الملفّ الليبي، إذ حاولت قيادات النهضة إيهام الرأي العام الداخلي بإن إسلاميي حكومة الدبيبة مستعدون لمدّ اليد المساعدة إلى تونس، بسبب وجود حزبٍ حاكم قويّ وذي علاقات دولية متطوّرة كحزبهم، فانبروا إلى ترويج خرافة "الوديعة الليبية" كانجازٍ يحسبُ لهم، لتأتي الصفعة من البرلمان الليبي نفسه الذي رفض المصادقة على ميزانية الحكومة الانتقالية. وهو ما تكّرر كذلك في الحالة القطريّة التي تحتاجُ وقفةً لوحدها. 

    غرفة التأديب

    إنّ المتابع الجيّد لزيارة راشد الغنوشي الخاطفة إلى الدوحة، سيكتشفُ بيسرٍ أنّ الشيخ ذهبَ ليفهم موقف القيادة القطرية من حزبهِ، بعد تغيّر الموقف التركي المفاجئ وإغلاقه للقنوات الاخوانية على أرضه تمهيدًا لتطبيع العلاقات مع النظام المصري، وحلفائه السعوديين والإماراتيين. 
    وهو موقف لم تتأخّر عن اتخاذه الدوحة نفسها وهي العائدة إلى الحضن الخليجي، والراغبة بشدّة في كسر الحصار العربي المفروض عليها.
     ولو أردنا اختزال الأمر لقلنا إن راشد الغنوشي لم يجد في استقبالهِ سوى سفير تونس بقطر الذي وضع سيارة السفارة على ذمته، ولم تحظ زيارته بأي اهتمام إعلامي على عكس العادة، بل إن قناة الجزيرة لم تشر إلى الزيارة إلاّ بخبر بسيطٍ يكشفُ عمومًا عن بدايات تغيّر خطها التحريري المرتبط مباشرةً بالديوان الأميريّ، وفضلاً عن كلّ ذلك، لم يلتق الغنوشي بالأمير أو حتّى مستشاريه الكبار، ما يقيمُ الدليل على أنّه ذهب بقدميه إلى غرفة تأديب لا إلى دولةٍ احتضنت مشاريعه لسنواتٍ. فكيف تحوّل الأمر عند قيادات النهضة؟ لقد خرج رياض الشعيبي ومحمد القوماني بتصريحات جدّ غريبة عن "منافع" شتى حققها الغنوشي في زيارتهِ دون أن يشيروا من قريبٍ أومن بعيدٍ إلى طبيعة هذه "المنافع"، قبل أن يعيدا الكرّة مع زيارة المشيشي إلى الدوحة التي قدّماها على أنها انجازٌ لراشد الغنوشي مع أنّ الأمر كلّه يجانبُ الصواب.
    وللإشارة فقط كان رياض الشعيبي، مستشار رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، قد نشر تدوينة على صفحته الشخصيّة جاء فيها أنّ زيارة المشيشي إلى قطر تأتي لتجسيد نتائج الزيارة الخاصة التي قام بها الغنوشي.
     وكشف عن "أهم نتائج الزيارة والمتمثلة أساسا في الحصول على 2 مليار دولار في شكل قرض ووديعة بنسبة فائدة ضعيفة جدا ويبدو أن هذا المبلغ سيصل إلى تونس خلال شهر جوان الجاري إلى جانب تمويل 2 مليون جرعة من تلقيح كوفيد في شكل هدية للشعب التونسي وإمضاء اتفاق لمضاعفة عقود العمل المخصصة للتونسيين بدولة قطر ليتجاوز الـ ـ50 ألف عقد إضافة إلى تبنّي قطر تنظيم «منتدى دولي للاستثمار في تونس» يوفر 25 مليار دولار لتونس على امتداد 5 سنوات، بما سيمثّل نقلة نوعية في وضعيّة الاقتصاد الوطني".
    الغريبُ أنّ لا أثر لهذهِ النتائج على أرض الواقع، ولم يأت رئيس الحكومة على ذكرها في حواره لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، كما لم تشر أي مؤسسة إعلامية أو مالية أو استثمارية قطرية إلى هذه "الاتفاقيات"، بل إن رئيس الحكومة نفسه قال في تصريح لصحيفة "لوسيل" القطرية إنّ "الاتفاقيات وتوقيعها يكون غالبا ضمن اللجنة العليا المشتركة بين البلدين، فهو الفضاء الملائم لتوقيع كافة الاتفاقيات، ولكن الزيارة الحالية تأتي في إطار تعبير عن رغبة سياسية أكيدة في دفع الاستثمارات الموجودة والمتبادلة بين البلدين مع زيادة حجم الاستثمارات القطرية في تونس ودفع التبادل التجاري". 

    القطريون غاضبون

    ووفقا ما نقلتهُ إلينا مصادر رفيعة المستوى، فإنّ "التشويش" النهضوي أغضب القيادة القطرية، ورأت فيه تدخّلاً في شؤونها الداخليّة، وترويجًا لوقائع خياليّة لا أساس لها من الصحّة. علمًا أن القيادة القطرية كانت واضحةً بخصوص التعامل المباشر مع رئاسة الجمهوريّة كممثل شرعي وحيد للدولة التونسية، باعتبار أن ايّ اتفاقٍ لا يتمّ إلا بين الدول، لا بين دولةٍ وحزبٍ، وهو ما يفضحُ "خرافة" الدور النهضوي المزعوم على الساحة الإقليمية.
    لقد كان من شأن هذه "المغالطات" أن أجهضت حقيقةً العمل الذي قام بهِ علي الكعلي، وزير المالية والاقتصاد والاستثمار، الذي كان قد توجّه إلى الدوحة قبل مدّة من زيارة هشام المشيشي، وساهمت في إحراج رئيس الحكومة الذي عاد "خالي الوفاض" من الدوحةِ، بعد فشل زيارتهِ إلى ليبيا.
    والسؤال الحيّ الذي نطرحهُ الآن، على خلفيّة الأدوار الملتبسة التي تلعبها حركة النهضة تلميعًا لأدوار وهميّة: متى تخرجُ قيادات النهضة وتعتذر للرأي العامّ عن كمّ الحماقات التي ارتكبتها في حقّ البلاد وفي فترة وجيزة بدلاً من رمي التهمة- كالعادة- على رئاسة الجمهورية واتهامها بإفشال زيارة المشيشي إلى الدوحة؟
     

    دبلوماسيّة الألسن الطويلة: ما كُسِرَ بين الرئاسات الثلاث.. لن يجبرهُ شيء! ratEREsc اثنين, 05/31/2021 - 09:17 دبلوماسيّة الألسن الطويلة: ما كُسِرَ بين الرئاسات الثلاث.. لن يجبرهُ شيء!

     

    "أنت تعرف أن وزير الخارجية عضو في الحكومة لكن الدبلوماسية من صلاحيات رئيس الجمهورية"، هكذا خاطب قيس سعيّد، رئيس الجمهورية، هشام المشيشي، رئيس الحكومة، خلال لقائهما الذي انعقد بحر الأسبوع الماضي، والحقّ أن عبارة الرّئيس لا تستحقّ عبقريّة رائد المدرسة التفكيكيّة، جاك دريدا، لفهمها داخل سياقها ومقامها، وهو سياق صراع على التمثيل الدبلوماسيّ لتونس، بعد فشل الفرقاء الثلاثة في التوافق على الملفات الداخليّة. 
    والملاحظ أنّه منذ زيارة رئيس الجمهورية إلى ليبيا في شهر مارس الماضي، عقب منح البرلمان الليبي الثقة لحكومة الدبيبة، والرئاسات الثلاث تخوضُ سباقا محمومًا لإثبات "الوجود" خارجيًّا، بعد فشلها في تحقيق الأدنى المضمون من التوافقات بخصوص أزمات البلاد الداخليّة، الأمرُ الذي ينذرُ لا محالة، بتحويل وجهة الصراع السياسي هذه المرّة نحو الخارجِ، بحثًا عن مكانٍ مّا تحت شمس المتغيّرات الإقليمية، خصوصًا مع تعاظم الدور المصري في المنطقة، تحت قيادة عبد الفتاح السيسي، وعودة دولة قطر إلى الحضن الخليجيّ، وتخلّي سلطان إسطمبول، رجب طيب أردوغان، عن جماعة الإخوان المسلمين وفوقها خطابه العدائيّ تجاه مصر والعربية السعودية والامارات العربية المتحدة.
     بيد أنّ تغيّر خارطة التحالفات الإقليمية لا تعني بالمرة أنّ الأهداف نفسها هي ما يحرّك الرئاسات الثلاث، بل العكسُ تمامًا هو ما يحدثُ، وكأننا إزاء ثلاث سلطات تسعى كلّ واحدة منها إلى إثبات "شرعيتها الخارجية" على حساب البقيّة.

    نقل الصراع من الداخل إلى الخارج

    وفي هذا الباب، لا يخفى على أحدٍ أنّ رئيس الجمهورية، المنتشي بعلاقاته المتطوّرة مع المشير عبد الفتاح السيسي، يسعى تحديدًا إلى توفير غطاءٍ دوليّ لهُ في مواجهة أعتى خصومه في الدّاخل، ألا وهو حركة النهضة ورئيسها راشد الغنوشي. ولنتفق ههنا على أنّ قيس سعيّد لم يجد عند وصوله إلى كرسي الرئاسة سوى ديبلوماسيّة "دقلة النور وزيت الزيتونة"، وهو التوصيف الذي أطلقته صحيفة "لوموند الفرنسيّة" على الديبلوماسية التونسية، في عهد الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، ووزير خارجيّته خميس الجهيناوي، وفوقها ديبلوماسيّة برلمانية يقودها راشد الغنوشي، رئيس مجلس نواب الشعب، خدمة لأطراف إقليمية معروفة، هي تركيا وقطر، ومجاميع من السياسيين يدينون بالولاء إلى محاور الصراع الخليجي في المنطقة، وآخرون يشتغلون بالقطعة لدى كبرى السفارات الأجنبيّة في تونس.  
    على أنّ العبء الأكبر في تراجع دور تونس الخارجّي يتحمّلهُ بلا شكّ راشد الغنوشي، رئيس مجلس نواب الشعب. صحيح أنّ التفاصيل تبدو غير مهمّة في لعبةٍ باتت أوراقها مكشوفة للرأي العام، كما حال لاعبيها، لكنّها تكشف المنهجيّة التي باتت تسيّرُ بها الدولة التونسية، وهي دولة يفترض بأنها مستقلة القرار وذات سيادة، بحكم نصّ الدستور، قبل أن تفضح لعبة المحاور والاصطفاف دون حياء وراء أجندات لا تخدم سوى ثدييّات أعلى السلسلة الغذائية الدوليّة. وفي لعبة التفاصيل تلك، بات راشد الغنوشي يتصرّف وكأنّهُ سكرتير شخصيّ لأردوغان وأمير دولة قطر، مكلفا بمهمة في الشقيقة ليبيا ولدى فائز السرّاج، جارّا تونس، بحكم منصبهِ إلى الاصطفاف وراء أحد طرفي النزاع في تضارب صارخ مع موقف رئيس الجمهورية، قيس سعيد، الداعي إلى الحياد. وهذا ما فجّر بالنهاية الصراع بين قيس سعيّد وراشد الغنوشي، وأنهى حالة "التعايش" المغشوشةِ بينهما.
    وإذ انبرى قيس سعيّد إلى الاستفادة من التحوّل السياسي في ليبيا فضلاً عن تمتين علاقتهِ بمصر والإمارات والعربيّة السعودية وحتّى قطر نفسها التي تخلّت عن دورها كمخلب قطّ للأجندة التركيّة، فعل راشد الغنوّشي كلّ ما بوسعهِ، في سقطة سياسية وأخلاقية غير مسبوقة، لاستعداء الإدارة الأمريكية الجديدة، برئاسة جو بايدن على رئيس الجمهورية ورئيسة الحزب الدستوري الحرّ، عبير موسي، ما كشف ضمنًا عن تخوّف إسلامييّ تونس من قوّة الرياح العاتية التي تؤذن بانهيار عهد "الدمى السياسية" التي أفرزتها حقبة الرّبيع العربي.
    ولم يكتفِ زعيم النهضة بذلك، إذ كثّف من رحلاته الخارجيّة، فمرة نجدهُ في تركيا وأخرى في قطر، مخفّفًا قدر الإمكان من وطأة ما يفعلُ، وساحبًا البساط من تحت أقدام منتقديه، حين يؤكد أنّ "زياراتهُ شخصيّة"، لكنّها "جلبت منافع للتونسيين"، وهي منافع وهمية لا توجد إلا في خيال "الشيخ" ومناصريه، ذلك أنّ الهدف من زيارتي الشيخ إلى تركيا وقطر لا يخفى على أحد، وهو معرفة موقفُ الدولتين من مستقبل الشراكة مع التنظيمات السياسية المتفرّعة عن حركة الإخوان المسلمين، التي تمثّل خطوط إمداد حقيقية للدولتين، وتحديدًا للأجندة التركية، في المنطقة برمّتها. 

    هل أخطأ سعيّد؟

    وإن كان الاستقواء بالأجنبي هو أكثر الوسوم أمانة لتحرّكات رئيس حركة النهضة، فإنّ الأداء الخارجّي لرئيس الجمهورية، منذ زيارته إلى فرنسا ولقائه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، التي ووجدها خصومهُ فرصة للتشنيع عليه، لم يسلم هو الآخر من الانتقاد. ففي عهد سعيّد، اتهمت الدبلوماسية التونسية بالخمول وغياب الديناميكية، مع أنّ هذا الاتهام نفسهُ، وهو صادرٌ للأمانة عن أنصار حزبٍ لم يخرج من السلطة منذ العام 2012، يثيرُ السخرية فعلاً. 
    وفي الواقع، ثمّة تعريف جميلٌ للديبلوماسيّة، ورد على لسان المهاتما غاندي، إذ عرّفها على أنّها "ذلك الفنّ الذي يجعلك تقول لكلب شرس يا لك من كلب لطيف حتى تجد فرصة لالتقاط قطعة من الحجر".
     وفي تونس، كلّنا نعلمُ أنّ الكلاب الشرسة، تتحرّك في فنائنا الخلفيّ، ومع ذلك، بقينا خلال العشر سنوات الأخيرة، نبحثُ عن فرصة لالتقاط الحجر، وحين عثرنا عليها، أوّل ما قمنا به، هو شجُّ رؤوسنا بهِ، مبتسمين للكاميرات الأجنبية.
    ذلك أنّ "دبلوماسيات" سنوات الثورة نسفت تاريخًا مشرّفًا من العمل الدبلوماسي التونسي، حتى في أحلك الظروف التي مرّت تونس، بل وحوّلت كلّ ما أنجزتهُ الثورة التونسيّة وما وفّرته من فرصٍ الاسترخاء تحت شمس الإنسانية بثبات إلى سجّل حافلٍ بالمآسي واللّطخات على غرار الاصطفاف وراء محاور وأحلاف خيانيّة، وتبييض الأموال والإرهاب وتسفير الجهاديين والتهريب والتهرّب الجبائي..
    ههنا، وما من شكّ في ذلك، لا دخل لقيس سعيّد في سقوط الدبلوماسيّة التونسيّة داخل دائرة العبث، حتّى اكتسبت ذلك الوسم الشنيع، وسم ديبلوماسية "دقلة النور وزيت الزيتونة".
    والكتابُ الديبلوماسيّ، في عهد الثورة، يمكنُ أن نسميّهُ تجاوزًا "كتاب العلل"، فلكلّ علّة موقفُ متأخّرٌ، أو اللاموقف، باستثناء ارتماء راشد الغنوشي في أحضان أنقرة، وارتماء خصومه في أحضان أو ظبي، فضلاً عن ارتماء الجميع في حضن "الكوكو شانيل" معتمرين قبّعات "اليانكيز". 
    والكلّ يذكرُ كيف هدّد الرئيس المؤقت محمد المنصف المرزوقي التونسيين، أبناء شعبه، بالويل والثبور، لكلّ من يتطاول على دولة قطر، أمّا الموقفُ من تطاول قطر على تونس، وتسفير الإرهابيين إلى سوريا واليمن وليبيا، فكان مسألة لا تحتاجُ إلى وقفة نقديّة من طرف المتباكين اليوم على ضياع الدبلوماسيّة التونسية، وبعضهم شغل موقعا متقدّما في ديوان الرئيس المؤقت. والكلّ يذكرُ قصص تدخلّ عائلة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي في التعيينات الدبلوماسية، وتخاطف السفارات المهمّة وفقًا للولاءات والمحسوبية والزبونية السياسية، حدّ تعيين نقابي أمني مختص في الفبركة والإشاعات، في موقع أمني حسّاس في سفارة أجنبيّة، بل وحدّ تحويل سفارة تونس بباريس إلى منتجع سياحيّ لآل قائد السبسي، بالمقابل لا أحد فتح فمهُ، لاسيّما "أساطير" الإعلام الفرنكوفوني (هم أساطير فعلاً في تقديم الخدمات المجانية)، حول ضياع فرص جذب الرساميل الأجنبية لتونس في إطار دبلوماسية نشطة، أو تفادي التصنيفات المهينة لتونس وتدعيم موقعها كديمقراطية حقيقية، أو الاشتغال على اللوبيات ومراكز النفوذ دعمًا للاقتصاد التونسي، لأنّ ذلك يعتبرُ من قبيل الترفِ الفكريّ الذي يستهلكُ جهد السفراء  المنشغلين بحمل قفاف التمورِ والزيوت إلى المنتظمات الدولية.

    انهيار الدبلوماسية

    هل يتحمّل قيس سعيّد أخطاء أسلافه؟ بالتأكيد، لا. يتحدثون عن انهيار الدبلوماسية في عهده وغياب الديناميكية عنها، فأين كانوا حين تحوّلت الدبلوماسية التونسية إلى خرقة، عدد الثقوب فيها أكثر من عدد النجوم في السّماء؟ أين كانوا حين غاب التفاوضُ ومعه المبادرة بخصوص الملفات التي تهمّ تونس قبل غيرها؟ أين كانوا حين صنفت تونس ملاذا ضريبيا؟  أين كانوا زمن حاجة اقتصاد البلاد إلى فتح أسواق جديدة وتنويع الشراكات الاستراتيجية حتى لا تبقى تحت رحمة طرفٍ واحدٍ، هو الاتحاد الأوروبي، ورغبته في توسيع رقعة الشراكة لتشمل قطاعي الخدمات والفلاحة؟ أين كانوا، وصورة تونس، التي نالت نوبل للسلام، تنزلُ إلى قعر الحضيض والتصنيفات تتابع بشكلٍ مؤذٍ؟ أين كانوا وتونسُ تتورّطُ في محاور وأحلاف إقليمية ودولية دون أن تجني من وراء ذلك شيئًا؟ 
    يقينًا، إنّ من يحمّلُون قيس سعيّد تراجع الأداء الديبلوماسي، وفقدانه الديناميكية، أو يتهمونه بعقد تحالفات مشبوهة بغرض الانقلاب على المنظومة السياسية الحالية يعرفُون قبل غيرهِم، أنّ كتاب "العلل" في عهد الثورة بات (ولم نقل أضحى) قاعدة شعارها "لكلّ علّة، علّةٌ أدهى وأمرّ منها"....وهي العتهُ والبلاهة. 
    ولهذا لا نرى خطأ في ما يفعلهُ قيس سعيّد، أو حتّى في ما ذكرهُ لرئيس الحكومة مؤخرا حين ذكره بأنّ للدبلوماسية التونسيّة ممثّلٌ وحيد. وبخصوص هذه النقطة، لم يكن المشيشي معنيّا حقيقةً بعبارة رئيس الجمهورية، فما يقوم به المشيشي من تحرّكات خارجّية يعدّ جدُّ مفهومٍ بل ومطلوب أمام حالة الجفاف التي تعاني منها المالية العمومية، فضلاً عن الملفات العاجلة كتوفير اللقاحات وغيرها. 
    غير أنّ نشاط المشيشي الخارجي بات هو الآخر مستهدفًا من حلفائهِ، فالوعود التي حصل عليها من الأشقاء الليبيين هي نتيجة "علاقات حركة النهضة مع إسلاميي الحكومة الليبية الجديدة"، وزيارته إلى دولة قطر، "مهّد لها راشد الغنوشي"، حسبَ ما تروجه صفحاتهم، مع أنّ الكل يعلم أنّ رحلة الغنوشي إلى تركيا وقطر كانت مخصصة أساسا لبحث مستقبل الحركات الإسلامية بعد عودة قطر إلى الحضن الخليجي، والتقارب الحاصل بين النظامين التركي والمصري. 
    ولنكن دقيقين أكثر ونقولُ ههنا إنّ الملفّ الدبلوماسي لم يعد أحد محاور الخلاف بين الرئاسات الثلاث، وتحديدًا بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، بل صار واجهة الخلاف نفسهُ، رغم أنّ حصاد كلّ النشاط الدبلوماسي يميلُ إلى منطقة العدمِ تمامًا. وههنا يعنّ لنا أن نطرح سؤالا بسيطا واضحا ومباشرًا: إذا سقطت الرئاساتُ الثلاث في اختبار "الرمزيّات"، بعد سقوطها في اختبار القيمة المضافة، فكيف سيكونُ حالها مع القضايا والملفات الحقيقية التي ستفرزها بطن مرحلة الركود الخاوية؟

    Subscribe to تقديرموقف