fbpx في تونس.. أيهما ننادي الأوّل، الإطفائي أم الطبيب؟ | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

في تونس.. أيهما ننادي الأوّل، الإطفائي أم الطبيب؟

Share

 

تحليل محتوى الخطاب السياسي في تونس على مدى الأسبوعين الأخيرين، يجعلنا ندرك أنّ العبارات المرتبطة بالإفلاس والحاجة والفاقة والفقر والخصاصة، أصبحت طاغية، بل صار ما يشبه التطبيع معها، حين لم يعد أحد يرفض التالي :
أوّلا : أنّ تونس بلد مفلس أو يكاد، وعاجز، على الأقلّ في المستقبل القريب، على تقديم الحدّ الأدنى المطلوب، للابتعاد على الأقلّ قليلا عن فوهة الهوّة التي تقف أمامها.
ثانيا : أنّ الوعي الجمعي التونسي شرع في الاقتناع بصفة متزايدة، أنّ هذه الحالة المستعجلة، تتطلب علاجا سريعًا غير متوفّر داخل الحدود، وبالتالي مطلوب من طرف أجنبي أن ينقذ هذه الدولة المريضة.
ثالثًا : أنّ الأولويّة تكمن في مغادرة ما يمكن أن نسميها منطقة الموت، مهما كان الثمن ومهما كان المقابل أو الكلفة.

الأفعى أم البئر؟

العقل السياسي الحاكم في تونس حاليا منصبّ على القريب العاجل أو هكذا يريد أن يبدو، وهي الصورة التي يريد صناعتها، لذلك السؤال الذي تردّد في إلحاح غريب وإصرار أكبر، بل على أساسه أعلن عدد كبير، أنّهم سيحدّدون موقفهم من رئيس الحكومة هشام المشيشي عند عودته من الزيارتين : كم جلب معه؟
اختصار هذه الزيارة أو تلك بكاملها من قبل الوسط السياسي ومن ذلك إصدار الحكم القاطع، بل أكثر من ذلك، سعي الخطاب الذي تروجه رئاسة الحكومة إلى إظهار المبالغ الموعودة يمثل الدليل القاطع، أو بالأحرى أحد أهمّ الأدلّة على ليس فقط نجاح الزيارة، بل أنّ رئيس الحكومة أتى فعلا وأنجز خيرًا، عجز عنه من سبقه وبالتأكيد وفق ذات الرأي، يعجز عنه غيره.
أخطر من حال التسليم بالوضع الذي تعيشه الطبقة السياسة باستحالة العثور على حل تونسي لأزمة الدين هذه وغياب السيولة، ما نشهد من انسداد الأفق السياسي بين الرئاسات الثلاث، وما يعني ذلك من مخاطر :
أوّلا : التنافر والتنابز وخاصّة المواصلة في ما يمكن أن نسميه تطرّف من قبل الجالسين على أعلى كراسي الدولة، ليس فقط يعطّل سير دواليب الدولة وأوّلها عدم التحاق عديد الوزراء بمناصبهم، بل يتمثّل في سقوط الفعل وردّ الفعل السياسي أسير صراعات يغلب عليها الطابع الذاتي، إن لم نقل النرجسي.
ثانيا : تقدّم هذه الصراعات صورة للفاعلين الاقتصاديين عبر العالم، سواء المحلّلين ومن يتولون إصدار التقييمات، أو من هم أصحاب القرار الفعلي والفاعل في المجال المالي وعلى مستوى الاستثمار بصفة أخصّ، الذين ليس فقط يشترطون الاستقرار في بعديه الأمني والاجتماعي للبدء في التفكير في الاستثمار، بل يعتبرون الاستقرار السياسي شرطا وجوبيا لوضع أموالهم.
من ذلك وجب الاعتراف أنّ ما حصّل رئيس الحكومة هشام المشيشي من وعود بالقروض والودائع، جميعها جاءت ذات بعد سياسي ليس فقط غطّى على الجدوى وفق معايير الاستثمار التقليديّة، بل وهنا الخطورة، خوفا من انهيار البلاد أو كذلك تسجيل هدف ضمن مرمى هذا الطرف أو ذاك داخل تونس، بدليل ما نرى من نزاع وصراع حول أبوّة هذه الأموال ومن كان السبب في قدومها إلى خزائن الدولة.

الكومسيون المالي، نسخة 2.0

من أبجديات التعامل بين الدول والجماعات وحتّى الأفراد، أنّ من يملك المال يملك سلطة، تصبح القاعدة أشدّ وقعا في حال دولة مثل تونس في وضعها الحالي، الذي يجعلها تبحث عن المال أينما كان، ليكون الربط المنطقي والطبيعي بين الحاجة إلى المال من جهة مقابل استقلاليّة القرار في بعده السيادي، خاصّة وأن سبق لممثل صندوق النقد الدولي أن وجه انتقادات لاذعة لماسكي القرار في تونس بل وضع شروطا على الملأ بغية المرور الى الخطوة التي تلي.
كذلك انتقد ممثل الاتحاد الأوروبي جهرا وعلانيّة الوضع الاقتصادي في البلاد، وما بلغه الفساد من درجة. لذلك من الطبيعي دون السقوط في نظريّة المؤامرة القول أو هي الخشية من أن يعيد التاريخ ذاته عندما بلغ دين الإيالة التونسيّة في الربع الأخير من القرن التاسع عشر (كما هو الحال اليوم) درجة فاقت القدرة على السداد، ليتشكّل الكومسيون المالي الذي تولّى الإشراف على سداد هذه الديون.
إذا قادت أزمة الديون ومن بعدها تكفّل الكومسيون المالي بمسألة السداد، إلى احتلال البلاد التونسيّة، يكون السؤال إلى أين ستقود الأزمة الراهنة؟
من الأكيد وما لا يقبل الجدل أنّ الاستعمار في الصيغة التي جاء بها زمن هذا الكوميسيون لن يعود في العصر الراهن، كذلك تبدّلت شروط الرقابة وأدواتها، ولم يعد من الممكن فرض الحماية في الشكل الذي تمّ إمضاؤه في قصر باردو سنة 1881. 
في المقابل، وجب الاعتراف في الآن ذاته، أن شروط الرقابة وأدواتها أصبحت غير مرئية لكنّها صارت أكثر قدرة مما كان عليه الحال في أواخر القرن التاسع عشر.

غفلة أم غفوة؟

وجه الشبه المطلق يكمن بين حال النخب زمن انتصاب الحماية في تونس، وحال النخب القائمة راهنًا :
أوّلا : حال اللامبالاة ذاته، حين لا يتمّ ذكر أزمة الديون من باب البحث عن حلّ يصل (وإن كان بعد زمن) إلى مغادرة منطقة الخطر، بل فقط وحصرًا من باب المزايدة والتراشق بالتهم.
ثانيا : التسليم بالوضع القائم ومن ثمّة ما هو قادم، كأنّ الذهاب إلى الإفلاس نتيجة لا مفرّ منها، بمعنى القدر الذي لا يمكن تفاديه.
ثالثًا : مواصلة أصحاب القرار في تونس على اعتبار مسألة الدين في بعدها الكمّي فقط، بمعنى تحصيل ديون جديدة، سواء لتغطية العجز في الميزانية أو تسديد السابقة، ممّا يعني الدخول وإن كان بصفة غير مباشرة ودون اعتراف من قبل الحكومة في دوّامة إعادة الجدولة.
من الغريب أنّ الإصرار على المصالحة بين رأسي السلطة التنفيذيّة جاء من قبل أحد كبار المسؤولين في الاتّحاد الأوروبي البلجيكي شارل ميشال، الذي نشر تغريدة على تويتر مذكرا بالمساندة الأوروبية لتونس من أجل إتمام الانتقال الديمقراطي، مع نصيحة في لهجة الأمر بأنّ يتمّ الأمر عبر حوار هادئ. ممّا يعني أنّ هذه النصيحة بخصوص شأن داخليّ هي أشبه بالأمر، وثانيا والأهمّ أنّ الحوار الهادئ بمعنى عكس المتشنج الذي تنشده البلاد هو الحلّ..


 

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
الكومسيون المالي الميزانية تونس الديون القروض
Share