نبض الإعلام

  • المجتمع المدني في تونس يواصل معركته ضد النفايات الإيطالية ratEREsc جمعة, 04/16/2021 - 11:35 المجتمع المدني في تونس يواصل معركته ضد النفايات الإيطالية

     

    في تونس، تتعاظمُ التحرّكات المطالبة بالإعادة الفورية لحوالي 7900 طن من النفايات التي وقع استيرادها من إيطاليا بين شهري ماي وجوان 2020. فعلى الرغم من تكفل القضاء بالقضية، ما تزالُ 282 حاوية كانت قد قدمت من منطقة "كامبانيا" الإيطالية وتحتوي على فضلات منزلية، تربض في مكانها بميناء سوسة. 
    ومنذ أكثر من شهر، ما يزالُ نشطاء المجتمع المدني يعتصمون قرب الميناء للضغط على السلطات، كما احتج العشرات منهم يوم الخميس 1 أفريل 2021، أمام مقر السفاره الإيطالية بتونس، مرددين بصوتٍ واحد "قمامة تشاوْ"، في تحوير لكلمات الأغنية الإيطالية الشهيرة المناهضة للفاشية "بيلا تشاوْ" (Bella ciao).
    ولقد تفجّرت فضيحة النفايات الإيطالية يوم 2 نوفمبر 2020، بعد أن بث برنامج "الحقائق الأربعة"، صورًا تظهرُ ما بداخل الحاويات، وهي حاويات كان يفترض بها أن تنقل مخلّفات صناعية بلاستيكية ليتضحّ في ما بعد أنّها تحتوي على أكوام من القمامة المنزلية.
    وهذه النفايات التي وقع جمعها بالقرب من محيط مدينة "نابولي" الإيطالي، وجدت لها طريقا إلى مدينة "سوسة" التونسية، وهو ما ينتهك بنود اتفاقيتي "بازل" التي كانت تونس قد صادقت عليها، والتي تتحكم في عملية نقل النفايات الخطرة عبر الحدود، و"باماكو" التي تحظر تصدير مثل هذه النفايات إلى الدول الإفريقية. وكانت إدارة الديوانة التونسية قد نبهت العديد من الوزارات إلى هذه المشكلة، وذلك منذ شهر جويلية الماضي، ولكن دون جدوى، إذ لم يتم فتح تحقيق في الأمر إلاّ مع مقدم شهر نوفمبر.  

    وثائق مزورة

    وبحسب الموقع الإخباري التونسي "انكيفادا" الذي اشتغل على القضية بالشراكة مع موقع "إيربي-ميديا" ​​الإيطالي، قامت شركة Sviluppo Risorse Ambientali (SRA) الإيطالية بإرسال النفايات إلى ميناء سوسة، إذ نص العقد المبرم بينها وبين وشركة "سوروبلاست" التونسية على نقل 120 ألف طن من النفايات بسعر 48 يورو للطن، على أن تمنح الشركة التونسية الحقّ في إعادة تدويرها وتصديرها.
    غير أن ما حدث هو أنّ الشركة التونسية كانت تنوي دفن هذه النفايات أو إتلافها، بحسب موقع "انيكفادا"، وهي عملية يحظرها القانون تمامًا. والمعلوم أنّ تونس تعاني بالفعل من أزمة تدوير نفاياتها، إذ تنتج سنويا ما يقارب من 2.8 مليون طن من النفايات الصلبة يقع طمر حوالي 95 ٪ منها.
    وبحسب التحقيقات الأولية، كشفت القضية عن وجود عملية تزوير واسعة توّرط فيها عدد من الإدارات التونسية لتسهيل وصول النفايات الإيطالية بأمان، وهو ما كان قد أكده جابر الغنيمي، المتحدث باسم المحكمة الابتدائية في سوسة، لصحيفة "موند أفريك".
    ومن المرجح أن تكون الوكالة الوطنية للتصرّف النفايات متورطة في العملية، وهو ما توحي به مراسلاتها الإلكترونية التي سهلت عملية مغادرة شحنة النفايات من إيطاليا إلى تونس، دون أن تبلغ السلطات التونسية، فضلاً عن توّرط بعض موظفي الديوانة التونسية.

    الديوانة "تحت الضغط"

    وما يزالُ سبع أشخاص، من بينهم وزير البيئة السابق الذي أقيل 21 ديسمبر 2020، رهن الاعتقال والاستجواب في إطار التحقيق القضائي الذي أذنت به النيابة العمومية. كما يشتبه أيضا في تورط المختبر الخاص الذي عهدت إليه عمليّة التدقيق في النفايات في عملية التزوير، لا سيما أنّه أقرّ بأنّ شحنة النفايات تتعلق بالفعل بنفايات بلاستيكية، ومهو ما حدا بالسلطات إلى إلقاء القبض على مديره. وفي الجملة، يخضع 26 شخصًا، من بينهم مسؤولون كبار وموظفو ديوانة، للتحقيق، في ما يزالُ أحد المشتبه بهم الرئيسيين، وهو الرئيس التنفيذي لشركة سوروبلاست، حرّا طليقًا.
    وقال جابر الغنيمي لصحيفة "موند أفريك": "في الوقت الحالي، التحقيقُ ما يزال مستمرا، ومن المبكر الحديث عن قضية فساد ". على أن ما يثير الدهشة، هو ما كان قد صرّح به الناطق الرسمي باسم الديوانة عن تعرض موظفي الديوانة لـ"ضغوط" بسبب سطوة الرئيس التنفيذي لشركة سوروبلاست داخل مدينة سوسة. علما أن وزارة البيئة رفضت إجراء حوار صحفي مع صحيفة "موند أفريك" متعللة بـ "ضيق الوقت". 
    وعلى الرغم من المحادثات التي أجريت بين تونس وروما بخصوص قضية النفايات، فإنّ إعادتها إلى موطنها الأصلي ما تزال مسألة مؤجّلة. وبحسب النائب مجدي الكرباعي، النائب عن حزب التيار الديمقراطي عن دائرة إيطاليا، تقرر أن تعقد جلسة استماع جديدة داخل البرلمان يوم 15 جويلية بخصوص هذا الملف. وأضاف "حتى الآن، ما تزال الشركة الإيطالية تقدّم الاستئناف تلو الآخر، ولذلك أشك في أن يؤتي الجهد القانوني أكله. وفي تقديري، يحتاجُ الملف إلى أن نتعامل معهُ بالطرق الديبلوماسية."
    بالمقابل، يرى نشطاء المجتمع المدني أن الوقت يلعبُ في غير صالح القضية. إذ قال نضال عطية، وهو مسؤول السياسات البيئية، صلب منظمة ألمانية يقع مقرها تونس: "عملية تخزين هذه النفايات لمدة عام تقريبا فاقمت الأمور بسبب سميّتها". ويضيف: "علاوة على ذلك، يتواصل إهدارُ المال العام في ميناء سوسة، لأن الحاويات تشغل مساحة يمكن استخدامها لتخزين البضائع الأخرى".

    فضيحة بيئية

    يعترفُ حمدي بن صلاح، الصحافي المستقل الذي كان من أوائل الذين أطلقوا صافرة الإنذار في شهر جويلية 2019، أن الوقت يلعب في غير صالح نشطاء المجتمع المدني. وبحكم عمله كصياد سابق في سوسة، تمكن من الحصول معلومات حول النفايات المستوردة في وقت مبكر جدًا، بفضل شبكة علاقاته. وفي هذا الإطار يقول: "عندما نشرت تحديثة على موقع فايسبوك، لم يكن ثمة الكثير من ردود الفعل، لا سيما أنّ ذراع الرئيس التنفيذي للشركة المتورطة في هذه القضية طويلة جدًا في منطقة سوسة. وتواصل الأمر إلى أن قام برنامج بإخراج الفضيحة إل العلن. لعدة أشهر، اعتقدنا أنّ القضية ستدفن إلى الأبد ".
    وتشهدُ تحركات الجمعيات والناشطين البيئيين تعبئة غير مسبوقة، فمنذ شهر نوفمبر الماضي، آلت شبكة تونس الخضراء على نفسها متابعة ملف النفايات الإيطالي بشكل يوميا، علاوة على جمع الطعون ضد الشركة الإيطالية وكل الوثائق المفيدة للتحقيقات.  
    كما أبدت عفاف حمامي المراكشي، أستاذة القانون البيئي وعضو شبكة تونس الخضراء، أسفها مشددة على التزام المجتمع المدني بهذه القضية من الدولة نفسها، وتقول: "لا ينبغي النظر إلى هذه القضية على أنها جريمة جمركية، إنها فضيحة بيئية تسلط الضوء على مشاكل الفساد في بلادنا"
    ومع بداية شهر أفريل، وقع احتجاز 600 حاوية نفايات في ميناء ساليرنو في إيطاليا كانت محملة بالفضلات المعدة للاستخدام كوقود، بعد أن كانت متجهة إلى تونس، بعد اكتشاف "مؤشرات خطيرة" فيها.  وميناء ساليرنو هو الميناء نفسه الذي شهد إبحار النفايات الإيطالية إلى تونس في شهر ماي من العام 2020. "الأمر يتعلق بمافيا تعملُ في تونس وإيطاليا. وكل ما نريده اليوم هو أن تتحمل الدولة الإيطالية مسؤولياتها وتقوم باستعادة حاوياتها "، وفقا لتصريحات مهدي بلحاج، وهو مهندس معماري وناشط بيئي.

    نشر هذا المقال للصحافية ليليا بلاز Lilia Blaise، بموقع صحيفة "Le monde" وتولى وليد أحمد الفرشيشي ترجمته إلى اللغة العربية.
     

  • باسكال بونيفاس: وضعتُ على القائمة السوداء بسبب انتقادي لإسرائيل! ratEREsc اثنين, 04/05/2021 - 10:20 باسكال بونيفاس: وضعتُ على القائمة السوداء بسبب انتقادي لإسرائيل!


    في مقالٍ مشحون بالتساؤلات والإحباط، يستعرضُ باسكال بونيفاس، الجامعي الفرنسيّ والمختصّ في القضايا الجيوسياسية، قصّة إدراج اسمه في قائمات سوداء لمؤسسات إعلامية بعينها، هي إذاعتي فرنسا الدولية وفرنسا الثقافية وصحيفة لوموند، بسبب مواقفه من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ودفاعه عن حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، فضلاً عن تصديه لكل أشكال التضليل الإعلامي المنتهجة من نجوم الإعلام في بلدهِ. وإذ تختار "شكشوكة تايمز" أن تترجم هذا المقال لقرائها، فذلك للتنصيص على أنّ معركة الدفاع عن الحقّ في التعبير، تظلُّ معركة الإنسان في كلّ مكانٍ، سواء تعلّق الأمر بدول ذات تراث ديمقراطي عريق، أو سائرة على درب الديمقراطية أو دول ترزح تحت نير أنظمة كليانيّة، بل وخطّ دفاعه الأوّل ضدّ كل محاولات تدجينه عبر التظليل والقمع والإقصاء.
    وفي ما يلي نصّ المقال:

    أنا رجلٌ جامعيّ، مختصّ في القضايا الجيوسياسية، كنت قد ألّفت ما يقارب السبعين كتابًا في هذا المجال، أعيد طباعة العديد منها بانتظام كما ترجم بعضها إلى لغات أجنبية، وأسستُ معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية انطلاقا من الصفر، وها هو الآن بعد ثلاثين عامًا، يصبحُ واحدًا من أهم مراكز التفكير الفرنسية في مجال القضايا الجيوسياسية ويتمتع باعتراف دولي، إذ يحتلّ المرتبة 21 في فئة "أفضل مؤسسة فكرية في أوروبا الغربية"، من بين 2075 مؤسسة فكرية، حسب تصنيف مؤسسة ماك غان.
    علاوة على ذلك، أسستُ المدرسة العليا للعلاقات الدولية والاستراتيجية، قبل ما يربو على العشرين عامًا، وها هي تدرّب اليوم حوالي 600 طالبٍ في مرحلتي الماجستير 1 و2، نصفهم على نحو حضوريّ، والبقية عن بعد. 
    إلى ذلك، أنا رجل جمّ النشاط على مواقع التواصل الاجتماعية، وأحظى بمتابعة 114 ألف شخص على موقع تويتر، كما أنشأتُ قناة على موقع اليوتيوب اسمها "لنفهم العالم"، يبلغُ عدد مشتركيها 113 ألف شخص. وأنا كثير السّفر إلى الخارج، وبصرف النظر عن جائحة كوفيد، غالبا ما أمضي أسبوعا في كلّ شهرٍ مستجيبًا لمختلف الدعوات التي تصلني للمشاركة في المؤتمرات أو الندوات أو إلقاء المحاضرات، هذا لأنّي عرفتُ بخصالٍ أكاديمية ساهمت في جعل الموضوعات الجيوسياسية في متناول عامة الناس.
    وإذ تتم دعوتي بانتظامٍ للمشاركة في برامج تليفزيون وإذاعة بلجيكا الفرنكوفونية وإذاعة سويسرا روماند، فإنّك لن تعثر عليّ حين تستمع إلى إذاعة فرنسا الدولية، أو فرنسا الثقافية أوحين تتصفّح صحيفة لوموند، لأنّ الدعوة لا توجّه إليّ مطلقًا، رغم أنّ الحال لم يكن كذلك في السابق. ففي تسعينيات القرن الماضي، كنتُ أظهر كثيرًا في هذه الوسائط الثلاثة، عندما كان معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية أقلّ شأنا مما هو عليه الحال اليوم، وعندما كانت تعوزني الخبرة، فما الذي يبرر وضع اسمي على قائمات هذه المؤسسات السوداء؟
    في تقديري، حدث الأمرُ على مرحلتين. فبعد ما وجّهت انتقاداتي إلى مواقف الحزب الاشتراكي من قضية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في العام 2001، انتقادات أتبعتها في العام 2003 بنشر كتابي "هل يجوز لنا انتقاد إسرائيل؟"، حدثَ برودٌ واضح وجلّي في علاقة هذه المؤسسات بي، إذ صارت الدعوات توجّه إلي على نحوٍ متباعدٍ أثار استغرابي. ولقد تسبب اتهامي بمعاداة السامية، وهو اتهام لم يثبت قطّ ولم يكن يثارُ بانتظامٍ، في ظهوري النّادر، بسبب نشاطات بعضهم (في الدفاع عن الصهيونية)، وجهل البعض الآخر (بمواقفي)، وخوف الكثيرين من الوقوع في سوء الفهم (في صورة استضافتي). والحقّ أني لم أعرف أحدًا تعرّض للإقصاء الإعلامي لانتقاده الفلسطينيين وقادتهم، بينما يجعلك انتقاد الحكومة الإسرائيلية انسانا منبوذًا في الكثير من الدوائر الإعلامية بسبب الخلط الحاصل  بين معادة السامية ومعاداة الصهيونية وانتقاد الحكومة الإسرائيلية، وهذا ما لا يمكن أن تجد له نظيرًا في أيّة دولةٍ أخرى. 
    أمّا الأمر الثاني الذي جعلني مدرجًا في القائمات السوداء، فهو نشري لكتاب "المفكرون الكاذبون" في العام 2011، بعد رفضه من قبل 14 ناشرًا، كتاب تعرّضت فيه بالنقد لعدد من نجوم وسائل الاعلام في علاقتهم بالحقيقة وتضليل الرأي العام. ولقد كان الردّ عبارة عن حملة شرسة وماكرة ضدّي رغم أنّه لم يقع تكذيب ولو صفحة واحدة من ذلك الكتاب.
    وإذ منحني انتقاد إسرائيل بطاقة صفراء، فإنّ انتقاد عدد من الشخصيات المتحكمة في وسائل الإعلام أدّى إلى إبراز البطاقة الحمراء في وجهي مباشرةً. 
    لقد حرمني فيليب فال، وهو واحدٌ من الذين انتقدتهم، من الظهور على موجات قناة فرنسا الدولية، حين كان يديرها في تلك الفترة، رغم أنّه لا يفوت مناسبة للدفاع عن الحقّ التعبير، بيد أنه دفاعٌ مقصورٌ على أولئك الذين يوافقونه الرأي فحسب، على ما يبدو. صحيح أنه لا يملكُ الإذاعة، فبالنهاية هي إذاعة عمومية، لكنه بدا وكأنه يديرُ بالفعل إذاعة رومانية تحت حكم تشاوشيسكو. ولقد حافظت لورانس بلوخ، وهي واحدة من المقربين منه علاوة على أنها خلفته في المنصب، على سياسة منعي من الظهور.  وأذكر أنها صرّحت لصحيفة "لوباريزيان" بتاريخ 5 جويلية 2020، قائلةً: "إن إذاعة فرنسا الدولية ليست بالإذاعة التي تنتهجُ سياسة الرقابة"، وهذا خطأ، لأنيّ خضعتُ لهذه السياسة، ووقع إدراجي على قائمتها السوداء منذ عام 2011.
     ففي السابق، كانت تتم دعوتي بانتظام في برنامج "الهاتف يرنّ"، ثمّ وقع منعي تمامًا، كما هو الحال في برامجها المسائية، فمهما كانت طبيعة الكتاب الذي أنشرهُ، فإنهم لا يعيرونه اهتمامًا، كما يرفضون دعوتي للتعليق على الأخبار الدوليّة. والأمرُ نفسهُ ينسحب على البرامج الصباحيّة التي كنتُ أدعى إليها في السابق.
    وفيما يتعلّق بإذاعة فرنسا الثقافية، أذكرُ أنّ أوليفييه بوافر دارفور بذل جهدًا كبيرًا لضمان استمرار دعوتي في برامجها، حتّى إنّه فكّر في أن يعهد إليّ بإجراء سلسلة من الحلقات حول الفنان ليو فيري بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد هذا الأخير، بعد أن كلّفتني عائلته بالإشراف على عليها، غير أنه وقع التخلّي عن المشروع، بعد استبداله. كما لم تتم دعوتي في برنامج" ثقافة العالم"، مهما كانت طبيعة موضوع الحصة، حتى وإن تعلّق الأمر بمفهوم التأثيرات الجيوسياسية للرياضة، وهو مفهوم كنت أوّل من طوره في فرنسا. أمّا بخصوص برنامج" الرهانات الدولية"، فلقد حدث أن دعاني "اكزافييه مارتينه" إلى هذا البرنامج الصباحي عدّة مرات، حين كان يشرف عليه، ولكن منذ أن توقف عن تقديمه قبل سنتين، توقفوا عن دعوتي إليه، مهما كانت طبيعة الموضوع، حتى وإن تمّ تخصيص أسبوعا بأكمله لتأثيرات جائحة كوفيد-19 الجيوسياسية، رغم أنيّ نشرتُ كتابا كاملاً حول الموضوع. 
    ولقد حدث أن قالت ساندرين ترينر، رئيسة إذاعة فرنسا الثقافية، إنّها تعرف جيّدًا كيف توصل الرّسالة حين ترفضُ دعوة شخصٍ مّا إلى برامج القناة. لقد كانت تتحدّث وقتها عن أوليفر دوهاميل. ولقد أيّدها فينكيلكراوت علنًا، لكنه لم يطرد رغم أنه دافع كذلك على رومان بولانسكي، المتهم بالاعتداء على القصّر. وعلى ما يبدو فإنّ هذا الموقف (إيصال الرسالة) ينطبقُ عليّ أنا أيضا. فمن الواضح أن اتخاذ مواقف تنتقدُ الحكومة الإسرائيلية أو شخصيات إعلامية مهمة يعرّض صاحبها للمنع من الظهور أكثر  ممّا تفعله المواقف المناصرة للمعتدين على الأطفال.
    وإذ كان بوسعي أن أتفهم عدم دعوتي باستمرار، أو عدم دعوتي بوتيرة أكبر مما كان عليه الحال في السابق، عندما كنتُ عالما جيوسياسيا مبتدئا، كان قد أنهى تأسيس للتوّ مؤسسة ما تزال هشّة، فإنّ ما لا أتفهّمه هو عدم دعوتي على الإطلاق، وهو ما يفتحُ الباب أمام أحد احتمالين: إمّا أن مقدمي البرامج لا يعرفونني وهذا ما يطرح مشكلة الكفاءة، وإمّا أنهم يعرفونني ويرفضون دعوتي، وهذا ما يكشف عن وجود أزمتي شجاعة وضمير مهني.
    وبهذا الخصوص، يتعين على المرء أن يفهم كيف يفكّر مقدمو البرامج، فهؤلاء مرتبطون بمؤسساتهم بعقود مدتها عام واحد، ويعرفون أنّ وفاء المستمعين مقصور على المؤسسات لا عليهم، فلماذا يخاطرون إذن بدعوتي وإثارة غضب مؤسساتهم؟ وهكذا، فكل ما يفعلونه هو الاستسلامُ للخوف، حين يبدون خوفهم من فقدانهم مواقعهم ومكانتهم. ومع ذلك، هل من الطبيعي أن توجد قائمات سوداء في مؤسسات المرفق العام؟ ووفق معايير مشكوك فيها؟ فحتّى في صورة وجود مقاييس واضحة وموضوعيّة تبرر عدم دعوتي على الإطلاق إلى أيّ برنامج من برامج هذه القنوات، فإنّ هذه المقاييس لم يقع توضيحها أو الإعلان عنها قطّ، وهذا أمرٌ لا يمكنُ قبوله. 
    صحيحٌ أنّ إذاعتي فرنسا الدولية وفرنسا الثقافية تلاقيان نجاحًا، وتضمّ شبكتيهما برامج ممتازة، لكنّهما تعتمدان أيضا على سياسة وضع القائمات السوداء، على نحوٍ مخزٍ، ولأسبابٍ لا تقلّ عنها خزيًا. 
    ألا يرون أنّ خطر ثقافة الإلغاء يقعُ في منطقة أخرى تماما، في الوقت الذي يحتدمُ فيه الجدلُ داخل أسوار الجامعة حول ما يمارس ضدّ تيار اليسار الإسلامي من رقابة؟ ألا يكفي أن يقع وصمُ شخص مّا بوصم انتماءه لتيار اليسار الإسلامي (حين أدافع عن حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، يقع ربطي مباشرة بحماس أو حزب الله من قبل خصومي) لتبرير إقصاءه من الظهور على موجات إذاعة عمومية؟ من يبرر الرقابة؟ ومن يقف وراء هذه الفتاوى الإعلامية؟ 
    أمّا صحيفة لوموند، فبلغ بها الأمر حدّ رفض مجرّد الإشارة إلى تعرضّي للاعتداء في تل أبيب قبل ثلاث سنوات، ولو على شاكلة خبر على موقعهم الإليكتروني. قد يتحجج بعضهم بأنها صحيفة مملوكة للخواص، ومن ثمّة فهي حرّة في ما تنتهجه من خطّ تحريريّ، ومع ذلك، أرى أنّه حتى في هذا الحالة، علينا أن نواجهها لكي تتوقف عن تقديم الدروس العظيمة بخصوص واجب الإخبار والنزاهة الإعلامية، تخفي بها خياراتها الشخصية والقضايا التي تدافع عنها. 
    وههنا ينبغي أن أوّضح أنني لا أنتقد وسائل الاعلام في المجمل، إذ تظلُّ عنصرًا ضروريا للديمقراطية، لكن من حقنا أن ننتقدها في ظروف معيّنة، حين تنتهج سلوكيات قحة بما يكفي، تعوزها الجرأة لتحمّل مسؤوليتها علنًا.
    وإذ تحبّ وسائل الإعلام النقد، فإنّ من واجبها كذلك أن تقبل النقد بل وحقّ الآخرين في انتقاد من يزعمون أنّهم نجومٌ لا تطالها الأيدي، دون أن تقصيهم، ذلك أنّ سلوكها هذا هو ما يغذّي التآمريّة التي لا تتوانى عن نقدها بالمناسبة. 

    نشر هذا المقال للكاتب باسكال بونيفاس على موقعه الشخصي على شبكة الانترنت، وتولى وليد أحمد الفرشيشي ترجمته ونقله إلى اللغة العربية.
     

  • Subscribe to نبض الإعلام