fbpx وعاد التونسيون مجدّدا إلى مربّع الاستقطاب الثنائي! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

وعاد التونسيون مجدّدا إلى مربّع الاستقطاب الثنائي!

Share

 

تصدّر الحزب الدستوري الحر المرتبة الأولى في نوايا التصويت للانتخابات التشريعية بنسبة 36 بالمائة، حسب استطلاع رأي أجرته مؤسسة سيغما كونساي لشهر ماي الماضي، فيما احتلّت حركة النهضة المرتبة الثانية بـ 18.6 بالمائة،  لينزلق المشهدُ رسميّا إلى ثنائيّة قطبيّة جديدة، لتكون المواجهة هذه المرّة بين "المنظومة القديمة"، وهو اصطلاحٌ غائمٌ صار بلا معنى بعد عشر سنوات من عمر الثورة التائهة في صحراء التجارب الفاشلة، وبين الحزب الإسلامي الأوّل في البلاد (إلى حدود الانتخابات الماضية)، هي الأعنف والأشرس، ذلك أنّ التقاءهما معًا، كما حدث بين النهضة والنداء ما بعد انتخابات 2014، هو أشبهُ بالتقاء النّار بالحطب الجافّ.
وما هو مؤكد أنّ ثمّة من سينبري لتكذيب هذه النتائج زاعمًا أنّ الحقيقة الوحيدة التي يمكنُ الاستكانة إليها هي حقيقة الصندوق، وثمّة أيضا من سيتهمنا بتزوير الحقائق (رغم أننا في شكشوكة تايمز سبق أن تحدثنا عن هذا السيناريو قبل أشهر وقتلناه تحليلاً) مدفوعا بنظريات المؤامرة، وثمّة أخيرًا من سيضربُ كفا بكفّ رافعًا عينيه إلى السّماء على سبيل التضرّعِ أو الندم ربّما. ولكن بعيدًا عن كلّ هذا، ثمّة حقيقة واضحة كقرص الشمس، حقيقة تقول إنّ تجربة العشر سنوات الأخيرة أثبتت أن تونس بلد صغير الحجم والديمغرافيا والاقتصاد والنخب والطاقات، بلد غير قادر على استيعاب كمّ المشاريع السياسية المطروحة عليهِ، وكمّ الأحزاب والتنظيمات والأطروحات والزعامات، ومن ثمّة يفضّلُ منظومة حزبيّة برأسين، يمثل كل واحد منها نمطا وتصورا مجتمعيا مختلفًا. وهذا ما تعكسهُ نتائج الاستبيان الأخير، مثلما يعكسهُ واقع الداخل التونسي المغلق في وجه نخب الأبراج العاجيّة ومحللي الصدف العاثرة.  

نهايةُ مرحلة.. بداية معركة

والحق إننا لا نرجمُ بالغيب ولا نخاطبُ النجوم حين نقولُ إنّ مرحلة ما بعد انتخابات 2019، شارفت على نهايتها، رغم أنّها تكادُ تدشن سنتها الثالثة. والكلّ يعرفُ تقريبًا أنّ منظومة الثورة نفسها تآكلت وانسحبت من المشهد منذ العام 2014، وهو ما تعزّز مع نتائج انتخابات 2019، لتشهد البلاد انسحاب أحزابٍ وكيانات تاريخية كالجبهة الشعبية والمؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل والمسار وغيرها، حتى أنّ أحزاب شق الثورة البراغماتي كآفاق والجمهوري (وريث الحزب الديمقراطي التقدمي) ونداء تونس (مفاجأة العام 2012 والمنتصر في انتخابات 2014)، تهاوت كلّها أمام واقعٍ لا يرحم المتخاذلين، أما من مازال يمتلكُ نفسا كافيا للمقاومة كالتيار الديمقراطي وحركة الشعب، فهي في طريقها إلى الانكفاء داخل جيوب صغيرة في أقصى مشهدٍ سياسي بات الزحفُ الأحمر (الدستوري الحرّ/التجمّع سابقا) يهدّدُ بتحويلهِ إلى إقليم ناغورني كارباخ جديد.
وما هو مؤكد لدينا بالوقائع والأرقام وحتى بالاستئناس ببعض التجارب المقارنة، أنّ المرحلة الحالية شارفت بالفعل على نهايتها، لتترك المكان لمرحلة جديدة، لا التقاء فيها بين الحزب الدستوري الحرّ وحركة النهضة، بعد ان استحكم العداءُ بينهما إلى حدٍّ يضعُ أكثر من نقطة استفهامٍ على مستقبل إدارة البلاد في ظلّ المواجهة المفتوحة بينهما. وههنا لا نخطأ التعبير: من يعتقدُ أنّ الثنائية القطبية في شكلها هذا (أي حركة النهضة والدستوري الحرّ) تنفعُ البلاد هو كمن يعتقدُ في قدرة المسوخ على زراعة الورود في الحدائق العمومية.

النهضة تخسر.. لا أحد يربح

لقد منحت الثورة حركة النهضة فرصة ذهبيّة لتكون اللاعب الوحيد في المشهد طول عقدٍ من الزمان. والحقّ أن هذا الحزب ذي الروافد الإسلامية، والإخوانية تحديدًا، استفاد من قدراته المالية وامتداداته الديموغرافيا والجغرافية وحتى الإقليمية ليكون الحزب الأوّل في البلاد، حتّى بعد نصف عثرتهِ في انتخابات 2014، نصف عثرة عرف كيف يتجاوزها حين أعاد ترميم واجهته ووضع يدهُ في يد غريمه نداء تونس، قبل أن يلعب على تناقضات هذا الأخير وينهي وجوده تقريبًا مع نهاية العهدة. والمعلوم أنّ النهضة فقدت كلّ أسلحتها التقليدية، فلا المشروعية السجنية، ولا المظلومية ولا حتّى نموذجها الإسلامي الراديكالي المعادي للمشروع البورقيبي، باتت تغري البطون المقرقرة من الجوع والعقول المقرقرة من السأم، بوضع ثقتها فيها. 
وخسارات النهضة لا تتوقف عند محيطها السياسي، بل انتقلت إلى داخلها، مع رفض "الشيخ" تسليم المفتاح إلى "أبنائه"، واستمراره في نهجٍ "استبدادي" أنهى أسطورة الديمقراطية داخل مؤسسات الحركة. يحدثُ ذلك، في الوقت الذي يمارسُ فيه حزب الدستوري الحرّ حالة من الاختراق المؤكد لبنى التونسيين التقليدية، أي المجال الذي تفضّل النهضة أن تلعب فيه. فسليل التجمّع المنحلّ هو بالنهاية حزب ليبرالي محافظ، يدافع عن قيم الإسلام ويرفضُ طروحات الحداثيين، مرتقا العباءتين البورقيبية والبنعليلية، بما يوافق الواقع، أي بما يتوافقُ مع براغماتية هذا الحزب المتعطّش للسلطة وإنهاء وجود الإخوان في تونس. 
إنّ ما خسرتهُ النهضة طوال هذا العقد، بسبب تعنتها وتلاعبها بمصائر التونسيين، لا يعني أنّ هنالك رابحٌ. نظريّا ثمّة مستفيد وهو الحزب الدستوريّ الحرّ، لكن عمليّا لا أحد ربح، إذ أنّ البلاد تشارفُ على الإفلاس، والجهات على الاشتعال، بينما مصير التونسيين يمضي بقدميه الاثنتين نحو المجهول. 

الزحف الأحمر الفارغ

ما لا يريد أن يصدّقه البعض من سكان الأبراج العاجيّة، أن الثورة كحدث سياسي وتحول جذري في كل المجتمعات هي صياغة جديدة لوقائع تقوم بالضرورة على ما سبقها وأن الثورة لا تقطع بشكل تام مع الماضي، بل إنّها قد تعيد إنتاج الماضي بعناوين جديدة، كما حدث مع التجربة الرومانيّة مثلاً. في الحالة التونسية، كان الماضي حاضرًا بقوة في تجربة نداء تونس (شعارات بورقيبية، وجوه نوفمبرية،...) لكنه ماضٍ مطعّم برموز الحاضر (يساريين ونقابيين وحداثيين،..) ساهم لوهلة في تحجيم حركة النهضة وتحوّل بدروه إلى قطب رحى. لكن التجربة لم تعمّر سوى سنوات قليلة قبل أن تتلاشى تمامًا لفشل عمليّة زرع القديم في الجديد. ولهذا أعاد الماضي ترتيب أوراقه واختار محامية شرسة وتجمّعية خالصة، هي عبير موسي، ليصوغ نموذج حكمٍ واضح هذه المرة بلا عمليات تجميل أو رتوش. ومن ثمّة فتح الدستوري الحرّ أبوابهُ لكلّ منبوذي حزب الرئيس الراحل بن علي (التجمع الدستوري الديمقراطي) والذين صاروا يرون في الثورة وشعاراتها استهدافًا معلنا لهم وتهديدًا لكياناتهم السياسية والاجتماعية وحتى الثقافية. 
ولقد استفاد الدستوري الحرّ من عثرات النهضة، خصمه الأيديولوجي الأوّل، ومن ضعف الأحزاب التي تجاورهُ مفاهيميا ومن قلّة حيلة الأحزاب المنضبطة لشعارات الثورة، كما ستفاد من تجربة نداء تونس، فأغلق الباب في وجه من لم يكن "تجمّعيا"، ليقدّم نفسهُ كوريث وحيد لكلّ الإرث الدستوري. وفي أزمنة السواد والأزمات، وكذلك من شعور فئات كثيرة من الناس بأن نمطا جديدا من العيش يهدد النمط الموجود، سيكون من الطبيعي أن يتطلّع الناس إلى ماضي الرّفاه (أو هكذا يعتقدون ولكن من يلومهم؟) ممثلا في حزب قادر على استقطاب الآلاف المؤلفة الذين تلاعبت بهم ماكينات النداء والجمهوري وغيرها. صحيح أنّ الدستوري الحرّ لم يقدم برنامجا إلى حدّ الآن، قادر على احتواء الأزمة، بل إن كل ما قدمه إلى حدّ هذه اللحظة هو تعطيل أعمال المجلس والشوشرة واستهداف خصومه، بما يذكرنا عمليا بأحد المناهج المتروكة في العلوم الاجتماعية، وهو منهج "النقد اللاذع"، منهجٌ يكتفي بالنقد من أجل النقد، لكن فراغ جعبته لا يقلّل من حضوره أو من خطورته.
بالمحصّلة، الماضي استقرّ رأيه على تقديم لاعبه الرئيسي، فيما استقر رأي الحاضر على التخلّي عن كلّ لاعبيه "الفاشلين"، وفي وضعٍ كهذا، سيكونُ على التونسيين انتظار المواجهة النهائية بين الدستوري الحرّ الأول وحركة النهضة الثانية، مواجهة لن تتأخّر في إظهار نتائجها الكارثية على البلاد والعباد.
 

محاور
تقديرموقف
الكلمات المفاتيح
النهضة استقطاب ثنائي تونس الدستور الحرّ عبير موسي نداء تونس
Share