fbpx زيادات الأسعار الأخيرة: حركات "إحمائية" قبل معالجة ملفّ الدعم | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

زيادات الأسعار الأخيرة: حركات "إحمائية" قبل معالجة ملفّ الدعم

Share

 

يخطئ من يعتقدُ في "ظرفيّة" زيادات الأسعار الأخيرة و"اعتباطيتها"، بل وفي "انفصالها" عن سياقٍ عامّ، وجدت الدولةُ نفسها فيه مجبرةً على معالجةِ دملّة "الدّعم"، بسببِ اشتراطات صندوق النقد الدولي من جهة، وارتفاع عدد الثقوب في موازنة الدولة التي باتت تعاني من حالةِ جفافٍ تنذرُ بكلّ الشرور. 
وإن كان صحيحًا أنّ الزيادة في سعر السكر السائب أو المحروقات أو المياه وغيرها أصابت الرأي العام بصدمة حقيقيّة، وفتحت الأبواب المشرعة أمام الأحزاب السياسية لكي تشنّع على حكومة هشام المشيشي، حتّى إن حركة النهضة الحليف الأول للمشيشي وداعمته الرئيسية أقرّت في تصريح إعلامي أنّ رئيس الحكومة لم يستشرها بخصوص الزيادات الأخيرة، فإنّ من الأصحّ كذلك أن نقول إنّ تظاهر "النومونكلاتورا" القيادية المتنفذة، أي وجوه تحالف أرباب المصالح والفاعلين الاقتصاديين والأحزاب السياسية، بالدهشة لقرار رئيس الحكومة، يعدُّ رياءً مفضوحًا لمعرفتها أوّلا بأنّ الزيادات الأخيرة التي أقرتها حكومة المشيشي في أسعار بعض المواد الأساسية والاستهلاكية جاء جزء منها نتيجة تفاقم العجز في ميزانية الدولة، ولمعرفتها ثانيا أنّها مبرمجة وهيكلية ولدرايتها ثالثًا بأنّ الزيادات نفسها ما هي إلاّ خطوة أولى أو حركة إحمائية تهدفُ إلى رفع الدعم تدريجيا استجابةً لاشتراطات صندوق النقد الدولي.

في أزمة منظومة الدعم

ولنتفق ههنا على أنّ منظومة الدعم نفسها تحوّلت إلى كابوسٍ حقيقيّ، إذ يعودُ الحديثُ عنها كلّما تأزّمت الأوضاعُ الاقتصادية والمالية في تونس. والحق أن هنالك شبه اتفاق على تآكل هذه المنظومة التي تسببت في إثقال ميزانيّة الدولة بأعباء تتجاوز إلى ما نسبته 1.6 بالمائة من الناتج الداخلي الخام. وما من شكّ في أنّ إصلاح هذه المنظومة أو إلغائها تمامًا، عبر سياسة الانتقال من الدعم على الأسعار إلى الدعم على المداخيل، تعدُّ أحد مداخل هيكلة الاقتصاد التونسي، وتنفيسه من جيوب الإنفاق غير المثمرة، وفق رؤية اجتماعية تترجم شعار "الدعم لمن يستحقّهُ" إلى سياسة حكوميّة. أضف إلى ذلك، يعدّ الرفع التدريجي للدعم في صيغته الحاليّة، أحد الشروط الرئيسية التي طلب صندوق النقد الدوليّ من الدولة التونسيّة تنفيذها، في إطار هيكلة الاقتصاد التونسي، علما أنّ رفع الدعم تدريجيا أو نهائيّا، لا يعدُّ "بدعة" تونسيّة، ذلك أنّ تجارب الدول المقارنة، أثبتت أنّه كلّما تمّ ترشيد الانفاق، ودعم المداخيل لا الأسعار، إلا ووقع التحكمّ في نزيف الانفاق العمومي، علاوةً على اجتثاث الفسادِ الذي ينتعشُ من صناديق التعويض.
والمعلوم أنّ إصلاح هذه المنظومة هو أكثر من مطلبٍ معقول إن لم يكن فقعُ هذه الدمّلة مطلبا "وجوديا"،  خصوصا مع تضاعف قيمة الدعم إلى ما يقارب الثلاث مرّات منذ العام 2010، وهو دعم لا يستفيد منهُ سوى 12 بالمائة من محدودي الدخل، مقابل 88 بالمائة تذهب إلى جيوب الفئات الميسورة وبطونها. علما أنّ ما يقارب الـ9/10 من حجم الدعم، يتوزع بين ثلاث مجموعات، الاولى هي الطبقة الوسطى التي استفادة من 60.5 % من ميزانية الدعم، والثانية «استغلال غير عائلي» وينتفع بقرابة ربع ميزانية الدعم، أما المجموعة الثالثة فهي الطبقة الميسورة التي تستفيد من 7.5 بالمائة من ميزانية الدعم، بينما يذهب العشر المتبقي للفئات الهشّة. أضف على ذلك، انتعش الفسادُ على هامش المنظومة المختلّة، خاصة في المواد الاستهلاكيّة المدعمة كالفارينة والسميد والزيت المدعم، حتّ بلغ الأمرُ بكبار المضاربين حدّ تهريب هذه المواد إلى دول الجوار. ومن ثمّة بات إصلاح هذه المنظومة والانتقال من الدعم على الأسعار إلى الدعمِ على المداخيل، وفق رؤية اجتماعية تقوم على توجيه الدعم إلى مستحقيه، مطلبا رئيسيا إن لم يكن أحد أولويّات إصلاح المالية العموميّة.

الحصير قبل الجامع

وهاهنا، لا بدّ من التذكير، بأنّ حكومة يوسف الشاهد كانت قد أعلنت ذات مرّة عن "نيّتها" في تمرير خطة إصلاحية تقوم على "توجيه الدعم لمستحقيه" وتخصيص تدخلات الصندوق للاستهلاك الغذائي أساسا. بيد أنّ هذا التمشي اصطدم بجملة من العوائق، حين حاولت الحكومة اعتماد منطق تقسيم خارطة الدعم إلى 5 مناطق، كما هو الحال بالنسبة للمنظومة الجبائية التي قيل وقتها إنّها ستعوض النظام التقديري، قبل أن يتضّح أنّ تداعيات هذا التقسيم ستعودُ بالضرر على الطبقة الوسطى، باحتساب رفع الدعم مع جملة الإجراءات الأخرى كالرفع في الأداء على القيمة المضافة وفي الرفع في مساهمة الأجراء في صناديق الضمان الاجتماعي، وعلى فئة المتقاعدين الذين ستتراجعُ قدراتهم الشرائية، بسبب ذلك، علاوة على مراجعة جراياتهم. 
وإذ كانت الاستفادة من المحاولات السابقة، تعدُّ خطوة ضرورية، قبل الإصلاح، فإنّ الاعداد اللوجيستي للمعطيات، وتحيين المعطيات الخاصة بمؤشرات التنمية والفقر في الجهات، وتحيين قاعدة بيانات وزارة الشؤون الاجتماعية، تعدُّ خطوات أساسية قبل الشروع في عمليّة الإصلاح. أضف إلى ذلك، تكثيف دور الدولة الرقابي على المنشآت الخدماتية (مطاعم، فنادق، مقاهي،.) لمنع استغلال مواد المدعمة، الغذائية منها وغير الغذائية (الوقود، الغاز السائل،...)، ومكافحة التهريب وغيرها، للحدّ من نزيف الدعم.  
وحتّى تخضعُ العمليّة برمتها إلى منهجٍ علمي صارمٍ، يقطعُ مع ثقافة "فرش الحصير قبل بناء الجامع"، ولكي يقطعُ الطريقُ تماما أمام السجالات السياسوية التي تستخدمُ إصلاح منظومة الدعم لتسجيل نقاط سياسية ملوحة بثورة جياع في الأفق (رغم إدراك الجميع أن تواصل العمل بمنظومة الدعم الحالية هو المدخل الرئيسي لكلّ ثورة محتملة )، فإننا نرى في منظومة المعرّف الوحيد بوابة مثلى لإنهاء العمل بمنظومة الدعم الحاليّة، وتعويضها بأشكال أخرى من التعويض على المداخيل، إضافة إلى توفير قاعدة بيانات مهمّة، ترّفع من الأداء الاجتماعي للدولة، وتوفرّ أكثر درجات الأمان الاقتصادي للفئات الهشّة.

كورونا عرّت هشاشة قاعدة البيانات

وفي الحقيقة، أضاعت البلاد حوالي سبع سنوات كاملة قبل أن تتفطّن، في عهد حكومة إلياس الفخفاخ، إلى أهميّة اعتماد منظومة المعرّف الوحيد، لا سيّما أنّ جائحة كورونا عرّت هشاشة قاعدة البيانات الحالية التي تتحوّزُ عليها وزارة الشؤون الاجتماعية، ما تسّبب في تحويل المساعدة الظرفيّة المقدرّة بمائتي دينار إلى آلاف الموظفين في القطاع العامّ. وإذ قلنا إنّ الدولة انتظرت حوالي سبع سنوات، فلأنّ المشروع كان قد طرحه إلياس الفخفاخ نفسه، عندما كان وزيرا للمالية، في حكومة الترويكا، وأحاله على خليل الزاوية، زميله في حزب التكتل، ووزير الشؤون الاجتماعية، ليجهض المشروع بسبب نقص التمويلات (أي في الوقت الذي صرفت فيه آلاف المليارات كتعويضات لجماعة العفو التشريعي العام، وأغرقت الإدارة التونسية بآلاف الموظفين الزائدين عن الحاجة)، وهو ما تسّبب في تفويت الفرصة على البلاد لتطهير موازنتها وكبح نزيف الأموال المهدورة. ولقد واصلت الحكومات المتعاقبة في هذه السياسة رغم دعوات الخبراء المتكرّرة لاعتماد المعرّف الوحيد، وربطه بإصلاح منظومة الدعم، بيد أنّ مبدأ التسيير اليومي للدولة والتغيير المتواتر للحكومات وتفجرّ الصراعات السياسية، حوّل الحديث عن الإصلاح إلى حديث مناسباتي يقعُ الاستنجادُ به كلّما تأزّمت الأوضاع.
والحقّ أننا لا نعرفُ لماذا تتلكأ حكومة المشيشي في تفعيل هذه المنظومة مثلاً، فبعيدًا عن الزيادات في الأسعار، وهو ما نؤكد على أنها حركات إحمائية تسبق الرفع من الدعم تدريجيا وربّما نهائيا، نرى من المهم، في تقديرنا، اعتماد منظومة المعرّف الوحيد، باعتبارها خطوة عملاقة وضرورية، حتى وإن تأخرّت، على درب إصلاح، لا منظومة الدعم فقط، وإنّما إصلاح باقي المجالات المتداخلة كالجباية والتغطية الاجتماعية والتأمين على المرض، وهو ما يفترضُ بداهة الانطلاق أوّلا بتشخيص الوضع وجرد المعوّقات وإيجاد الحلول الكفيلة بتجاوزها، حتّى تغادر مقولة الدعم لمن يستحقه منطقة الشعارات إلى منطقة العدالة الاجتماعية.

محاور
تقديرموقف
الكلمات المفاتيح
منظومة الدعم الزيادات غلاء الأسعار السكر هشام المشيشي النهضة الحكومة التونسية
Share