fbpx الحكومة تتوجّه نحو حذف التراخيص الإدارية.. فكيف ستتصرّف البارونات؟ | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

الحكومة تتوجّه نحو حذف التراخيص الإدارية.. فكيف ستتصرّف البارونات؟

Share

 

تواجهُ الحكومة التونسيّة أكبر أزمة اقتصادية عرفتها منذ استقلال البلاد العام 1956، أزمة متعدّدة الطوابق كما يقالُ، إذ أنّها مطالبة في الآن نفسهِ، بتوفير كميّات هائلة من السيولة لسدّ الثقوب في موازنتها العامّة، والقيام بإصلاحات عميقة وجذريّة، تعيدُ آلتي الإنتاج والاستثمار المعطّلتين إلى الدوران، فضلاً عن تحقيق الاستقرار السياسي، على الأقلّ في هذه المرحلة التي تخوضُ فيها البلاد مفاوضات شاقّة مع صندوق النقد الدولي.
ومن بين الحلول التي باتت تطرحها الحكومةُ اليوم مسألةُ حذف التراخيص الإدارية لتنشيط الاستثمار وخلق مواطن شغل جديدة، وهي خطوة إن حدثت دون مشاكل فستعجّلُ بلا شكّ في إنهاء احتكار "الطغمة الريعية" لقطاعات اقتصادية بعينها، وتكرّسُ، بالتبعيّة، أحد أهمّ مبادئ الثورة التونسية، ألا وهو مبدأ العدالة في شقيها الاقتصادي والاجتماعي، وتنتقل بتونس من "رأسمالية ريعية"، أكلت الأخضر واليابس، إلى "رأسمالية اجتماعية"، ترفعُ فيها العراقيل أمام الاستثمار وخصوصا أمام المنافذ الموصلة إلى التمويلِ.

بخصوص قصّة الرّخص..

وقبل الخوض في مسألة تأثير هذا القرار على الاقتصاد التونسي، سنعودُ قليلاُ إلى الاجتماع الوزاريّ الذي انعقدَ يوم الخميس الماضي، اجتماع شهد الخروج بوثيقة عمل تعنى بمشروع مراجعة تراخيص تعاطي الأنشطة الاقتصادية. ويهدفُ هذا المشروع إلى  حذف حوالي 25 ترخيص  وتعويضها بكراسات شروط قبل نهاية السنة الحالية  سنة وذلك لتنشيط الاستثمار ودفع المبادرة الخاصة والتقليص من القيود الإدارية .
وهذه الرّخصُ تتبع عشر وزارات، مثل المالية والنقل والداخلية والاتصال والتجارة والصناعة والثقافة والتجهيز وغيرها. وإذ سبق للحكومة حذف التراخيص الخاصة ببيع واستغلال محلات التبغ، فان النية تتجهُ إلى حذف رخص طائرات الدرون وتوريد وتسويق الأجهزة والمنظومات الالكترونية والإحداث المساحات والمراكز التجارية الكبرى وتركيز مصانع الاسمنت الرمادي والأبيض وصناعة الجير، وإحداث مشاريع الإنتاج الذاتي للكهرباء من الطاقات المتجددة المرتبطة بشبكة الجهد المنخفض وانجاز مشاريع الإنتاج الذاتي للكهرباء من الطاقات المتجددة المرتبطة بشبكة الجهد العالي والمتوسط (أقل من 1 ميغاواط)  .كما تعمل الحكومة على حذف رخص أخرى تشملُ بيع الكحول وغيره. 
وبلا شكّ، تعدُّ هذه الإجراءات ثوريّة للغاية من شأنها، لو أنجزت في إطار من الشفافية الكاملة، في تفكيك اقتصاد الريع الذي ينتفع به أشخاص دون غيرهم واكتفاء الدولة بدور المراقب. وحتى نعطي لكلّ ذي حقّ حقّهُ، كان إلياس الفخفاخ، رئيس الحكومة السابق، قد بدأ بالفعل في مسار حذف الرّخص قبل أن تطيح به قصّة قضيّة "تضارب المصالح"، ما يقيمُ الدّليل مرّة أخرى على أنّ الاقتراب من عشِّ الدبابير ليس بالأمر الآمنِ على الإطلاق.

طغمة ريعيّة تحتكر مقدرات البلد

ولنتفق هنا على أنّ الاقتصاد الريعي هو أكثرُ شراسةً وتوحشّا من الاقتصاد الموازي، ذلك أنّهُ يحتكمُ على سلطة القانون، والتضامن العوائلي، واختراق المجال السياسي، وتحويل وجهةِ الانتخابات وشراء ذمم المؤسسات الإعلامية، في النورِ لا تحت الأرض كما يحدثُ مع الاقتصاد الموازي.
وهذا الاقتصادُ تحديدًا يقومُ على سيطرة مجموعات ضغط تُهيمن تقريبًا على أغلب القطاعات الحيوية ولا تفسح المجال أمام المنافسين وتعمل على زيادة وتيرة التوريد على حساب المنتجات المحلية تعتمد الاحتكار والمضاربة التجارية والتحكم في مسالك التوزيع والتهرب الضريبي طريقًا لتكديس الثروات، وهو ما يجعلهُ نقيضا للاقتصاد الإنتاجي الذي يقومُ على نمو قطاعات الزراعة والصناعة بأنواعها والاستثمارات ‏المختلفة.
فضلاً عن كلّ ذلك، يعدُّ الاقتصاد الريعي أحد أكبر العراقيل أمام إرساء منوال اقتصادي جديد يحفظ الاستقرار المالي للدولة ويطور رافعات التنمية والإنتاج والمنافسة. والاقتصاد التونسيّ هو اقتصاد ريعيّ بامتياز نظرًا لاعتماده المفرط على قطاعات محددة، منها حجم الودائع المصرفية وسندات الخزينة ‏السيادية وتطور الأسواق المالية، وكذلك على سوق العقارات والنفط والثروات الطبيعية، هو عمليًا ‏اقتصاد معرض للمخاطر والأزمات في كل لحظة ولا يُمكنه بحال من الأحوال تحقيق استدامة النمو والاستقرار أو رفع الناتج ‏المحلي الإجمالي ومكافحة الآفات الاجتماعية كالبطالة وغيرها. 
والمعلوم للعام والخاص أنّ الدولة نفسها باتت تمثل واحدًا من أهم عناصر منظومة الريع، إذ تحتكر الدولة التونسية العديد من الأنشطة الاقتصادية كإنتاج وتوزيع السجائر وأسواق الجملة وأنشطة الشحن في الموانئ التي تتسم جميعها بسوء إدارة الموارد مما يؤثر على جودة خدماتها.، كما أنها تلعبُ دورا هاما في إنتاج منظومة الريع بفعل تقنينها لرخص استغلال الاستثمارات بيد مجموعة أشخاص، والتي تظهر جليا من خلال خضوع  أغلب القطاعات المربحة إلى كراس شروط مجحفة، مثل قطاع نقل البضائع أين يفرض على المستثمر شراء 18 شاحنة لتكوين شركة نقل بضائع، أو قطاع تأجير السيارات، حيث تفرض الدولة شروطا على المستثمرين تقضي بإلزامية شراء 20 سيارة جديدة قبل أن يباشر المستثمرُ نشاطه وهو أمر صعب على مستثمر صغير لاسيما مع صعوبة الحصول على تمويلات نظرا لتعقيد المنظومة المصرفية واستحواذ هذه العائلات نفسها على البنوك لتموّل مشاريعها فقط، بدل القيام بدورها الفعلي في الاقتصاد وتمويل المشاريع والاستثمارات الخاصة.
وإذ سبق لنا إن قلنا إنّ إلغاء حوالي 30 ترخيصا، أو إعلان النوايا بخصوص حذفها، يعدُّ مدخلاً راديكاليا في اتجاه تفكيك الاقتصاد الريعي وإنهاء دور الطغمة الريعية، فإن من أوكد شروط نجاح ذلك، هو وجود حكومة قوية، و برلمانًا "نظيفًا" بلا فسادٍ أو فاسدين، وقوّة قانون تتحرّكُ من تلقاء نفسها دونَ خوفٍ أو وجلٍ، وقضاء غير مرتهنٍ، وسلطة سياسية متضامنة في ما بعضها...فهل ينطبقُ كلّ ذلك على المشهد التونسي الحالي؟
أليس المشهدُ برمّته تتحكمُ فيه زمرة قليلة استأثرت بالثروة، وصارت تتحكمُ في القرار السياسي الوطني، وتتدخل في العملية الانتخابية وتطوّعُ وسائل الإعلام لخدمة أجنداتها، بل وتحظى بكتلٍ نيابية كاملة، بل إنّ بعض النواب يشتغلون كمراقبي حسابات في شركاء هذه العوائل. قد يتهمنا  البعضُ بالتجنّي، لكن أليس هذا ما قالهُ باتريس برغاميني، السفير الأوروبي بتونس، في حوار أجراه مع صحيفة لوموند الفرنسية، حين أكد أنّ الثروة تتركز في أيدي عائلات معينة ترفض المنافسة العادلة والشفافة، وتوشك أن تقضي على مكتسبات الثورة، وبالتالي فإن تونس تعيش مرحلة "الرأسمالية الريعية"، حيث سلطة السوق والسلطة السياسية تسمحان لأشخاص وشركات محظيين بسحب جزء كبير من هذا الريع من الآخرين والانتفاع به دون سواهم !
إنّ ما نخشاهُ حقّا هو أن تكونَ مسألة حذف التراخيص مطيّة لتعزيز دور الطغمة الاحتكارية عبر تفصيل كراسات الشروط على مقاس جشعهم وهيمنتهم، لأننا في الحقيقة، لا نثقُ البتّة في قدرة المنظومة السياسية الحالية على مواجهة قروش المياه العذبة، تلك المستعدة لحرق البلد بأسرهِ لو وقع الاقترابُ إنشا واحدًا من مجالاتهم الحيوية.
ولنا عودة قريبة للموضوع.. !
 

محاور
اقتصادية
الكلمات المفاتيح
تراخيص الحكومة التونسية هشام المشيشي إلياس الفخفاخ البارونات اقتصاد ريعي
Share