تقديرموقف

  • من أجل عيون "التمديد".. اتحاد الشغل يتجاوز سقف "العجرفة" ! HeLEINCa خميس, 07/08/2021 - 21:08 نور الدين الطبوبي

     

    لم تمنع الكارثة الصحيّة التي تضرب البلاد قيادات الاتحاد العام التونسي للشغل، أو على الأقل الشقّ المناصر لتعديل الفصل العشرين (الفصل العاشر قبل مؤتمر 2017)، من عقد مؤتمرهم الاستثنائي، وهو مؤتمر غير انتخابيّ، ضاربين عرض الحائط بكلّ التدابير الصحيّة والنواميس التوعويّة بل بقوانين الدولةِ نفسها، وكأنّ قيادة الاتحاد بدت ترى في المنظمة جسمًا سماويّا خارقًا لا تسري عليه القوانين الأرضيّة.
    والحقيقة أنّ لا أحد كان يتوقّعُ أن تبلغ "العجرفةُ" بقيادة المنظمة الشغيلة إلى ارتكابِ مثلبتين خطيرتين في تقديرنا: الأولى تتمثّلُ في كسر الجهد الوطني لمحاصرة الوباء الذي بات يقتربُ جدّيا من كسر حاجز عشر آلاف إصابة يوميّا، ومن ثمّة إجهاض أيّ جهدٍ "توعوي" لتحسيس المواطن بخطورة الكارثة على المدى القصير، أمّا الثانية، فتتمثّل في ضرب سنّة "التداول" على قيادة المنظّمة من خلال سعي الشقّ المناصر لنور الدين الطبوبي لتكريس مبدأ "التمديد"، وهو مبدأ سارعت بعض قيادات المنظمة إلى التشنيع على راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة، عندما حاول فرضهُ بشتّى الطرقِ على قيادات حزبهِ، أي أنّ ما يندّدُ بهُ جماعةُ الاتحاد في العلن، بات وسيلتهم الوحيدة للحفاظ على منافع المجموعة المقرّبة من الأمين العام، ولو سألت أيّ نقابيّ عن مسوّغٍ منطقيّ واحدٍ يدفعُ في اتجاه تنقيح الفصل العشرين، ومن ثمة التمديد للطبوبي، لما خرجت الإجابات عن منطق "تعويم السّمكة" حسب التعبير الفرنسيّ.

    قصّة قديمة

    وقصّة النقابيين مع تعديل الفصل العشرين (الفصل العاشر سابقا قبل مؤتمر 2017)، تبدو قديمة قدم معارك النقابيين في ما بينهم. غير أنّ ما استجدّ هذه المرّة أن الخلاف حول التعديل خلم تعد تسعهُ الجلسات الخاصة والهيئات الإدارية، بعد أن وجد طريقهُ لا إلى وسائل الإعلام فحسب وإنما أيضا إلى بطحاء محمد علي التي شهدت أكثر من تجمّع احتجاجي رافض لعقد المؤتمر الاستثنائي وتعديل الفصل الشهير.
    وللتاريخ، كان النقابيون قد طرحوا مسألة "التسقيف" في مؤتمر جربة 2002 وتم الإقرار بدورتين كحد أقصى لأعضاء المكتب التنفيذي، بعد التخلّص من الأمين العام الأسبق إسماعيل السحباني وإرثه "الديكتاتوري". ولقد حرّك توجّه "التسقيف" في ذلك الوقت إصرار النقابيين على "تصحيح المسار النقابي"، ومن ثمّة فرضوا مبدأ تحديد العهدة بدورتين غير قابلتين للتجديد.
    لكن ما حدث هو أنّ مؤتمر جربة، شهدَ أيضا بداية الخلاف حول تعديل الفصل العاشر، رغم مسايرة عبد السلام جراد وعلي رمضان للموجة التصحيحية التي تلت فترة إسماعيل السحباني، على مضضٍ. 
    ولقد حاولت المركزية النقابية في مؤتمر المنستير سنة 2006، تعديل الفصل العاشر للسماح لأعضاء المكتب التنفيذي بالترشح لأكثر من ولايتين، وكان المؤتمر ساخنا جدا وتحت حصار بوليسي حيث حاولت السلطة منع عدد من النقابيين من دخول قاعة المؤتمر. واحتد النقاش آنذاك بين المؤتمرين بين رافض لتعديل الفصل العاشر بحجة الحفاظ على التداول والديمقراطية، فيما دافع نقابيون موالون لعبد السلام جراد وعلي رمضان على مشروع تعديل الفصل بحجة أنه جاء في ظروف استثنائية وسيضرّ بالمنظمة لأن عدم تعديله يعني خسارة المنظمة لأغلب قياداتها وخبراتها دفعة واحدة. وأمام الانقسام الحاد بين النقابيين ومع خطورة انفجار المؤتمر، تمّ تأجيل الحسم في الموضوع وترحيل الأزمة إلى المؤتمر الموالي. لتعاود المشكلة الظهورَ في أوت 2010 قبل أن تجهض الثورة طموحات عبد السلام الجراد وأنصاره في تعديل الفصل العاشر.
    بعد الثورة، ظهرت مجموعة جديدة مشكلة من قيادات وازنة كحسين العباسي وسامي الطاهري وبوعلي المباركي وحفيظ حفيظ من أبرز وجوهها، التي وضعت نصب عينيها مهمة إعادة المنظمة الشغيلة إلى مدارها الطبيعي، وبالفعل خفتت الأصوات المطالبة بتعديل الفصل العاشر إلى حدود مؤتمر العام 2017، ففي تلك السنة أُدخلت تعديلات على القانون الأساسي للاتحاد العام التونسي للشغل دون المساس بالفصل العاشر الذي تحول إلى الفصل عشرين بعد إضافة فصول جديدة عليه، وغادر حسين العباسي المنظمة، لكن الخلاف حول الفصل عشرين عاود الظهور بقوة، ما دعا المركزية النقابية إلى عقد مؤتمر استثنائي لتنقيح القانون الأساسي.

    إلى "الانفراد بالرأي" در !

    والحقّ أنّ الرغبة في "التمديد" وكسر تقليد التداول على المنظمة التي تعدُّ قلعةً من قلاع الديمقراطية في البلاد يهدّدُ بانتكاسةٍ حقيقية، لا سيّما أن لا شيء يبرّرُ التمديد للطبوبي وأعضاء المكتب التنفيذي، وكأنّ المنظمة نفسها جفّ رحمها فأصبحت غير قادرة على تصعيد قياداتٍ قادرة على التعامل مع متطلبات الرّاهن بالكفاءة والفاعليّة نفسه.
    وبعيدًا عن التصريحات "المشهدية" التي دأبت عليها قيادات الاتحاد، فإنّه بات من الواضح أنّ اختراق حركة النهضة لقواعد الاتحاد، وتخوفّ القيادة المسنّة من القيادات الشابّة المنضوية تحت لواء تنسيقية "القوى النقابية الديمقراطية"، كلّها عوامل فضحت سعي القيادة الحالية المحموم إلى التمديد، وتكريس منطق "الانفراد بالرأي"، مؤجّلةً على ما يبدو ما هو حتميّ في حالات كهذهِ، وهو تهديد وحدة الجسم النقابي الذي تعرّض لهزات قوية بعد الثورة، أنتجت ما يعرفُ بالتعددية النقابية. 
    غير أنّ ما يلفتُ الانتباه حقّا هو تجاوز القيادة الحاليّة لسقف العجرفة فعلاً خدمةً لأجنداتها. فإن كان من حقّ النقابيين تصريف مشاكلهم واختلافاتهم عبر آلية الصندوق، فإنّه ليس من حقهم البتّة أن يديروا ظهرهم للكارثة الصحيّة التي تجتاحُ البلاد، ويضربوا المثل في تحدّي الدولة وأجهزتها الصحيّة والقضائية، وكأنّ المنظمة باتت دولةً داخل الدولة.
    والحقّ أنّ كلّ الأسئلة تذوبُ على الشفاه أمام حالة "التمرّد" هذه، ذلك أن لا شيء يبّررُ كسر البروتوكولات الصحيّة سوى خدمة المصالح الخاصّة، وهذا ما لا نشكُّ فيه، في الوقت الذي تحتاجُ فيه البلاد إلى التزام كلّ قواها الحيّة وانضباطها في إطار الحرب المعلنة على فيروس كورونا. 
    لقد كان بوسع النقابيين أن يؤجلوا مؤتمرهم ويضربوا مثلاً للمتردّدين في ضرورة الانضباط إلى قوانين معركةٍ ضدّ غدوّ غاشمٍ لا يرحم، لكنهم آثروا المصالح الذاتية على حساب المصلحة الوطنية وهو ما ضرب مصداقية المنظمة العتيدة في مقتلٍ.
    لقد كانت منظمة حشّاد سلاح التونسيين السرّي ضدّ كلّ المشاريع المتربّصة بالبلاد وها هي الآن تتحوّل إلى سلاحٍ علنيّ في يد فيروس كوفيد، وكأنّ هذا الشعب الذي صرخ حشّاد ذات يوم معلنًا حبّهُ لهُ في حاجةٍ إلى طعنة غادرة كهذه توجّه إليه من أقرب حليفٍ إليه، إن لم يكن حليفه الوحيد.
     

  • Subscribe to تقديرموقف