fbpx دبلوماسيّة الألسن الطويلة: ما كُسِرَ بين الرئاسات الثلاث.. لن يجبرهُ شيء! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

دبلوماسيّة الألسن الطويلة: ما كُسِرَ بين الرئاسات الثلاث.. لن يجبرهُ شيء!

Share

 

"أنت تعرف أن وزير الخارجية عضو في الحكومة لكن الدبلوماسية من صلاحيات رئيس الجمهورية"، هكذا خاطب قيس سعيّد، رئيس الجمهورية، هشام المشيشي، رئيس الحكومة، خلال لقائهما الذي انعقد بحر الأسبوع الماضي، والحقّ أن عبارة الرّئيس لا تستحقّ عبقريّة رائد المدرسة التفكيكيّة، جاك دريدا، لفهمها داخل سياقها ومقامها، وهو سياق صراع على التمثيل الدبلوماسيّ لتونس، بعد فشل الفرقاء الثلاثة في التوافق على الملفات الداخليّة. 
والملاحظ أنّه منذ زيارة رئيس الجمهورية إلى ليبيا في شهر مارس الماضي، عقب منح البرلمان الليبي الثقة لحكومة الدبيبة، والرئاسات الثلاث تخوضُ سباقا محمومًا لإثبات "الوجود" خارجيًّا، بعد فشلها في تحقيق الأدنى المضمون من التوافقات بخصوص أزمات البلاد الداخليّة، الأمرُ الذي ينذرُ لا محالة، بتحويل وجهة الصراع السياسي هذه المرّة نحو الخارجِ، بحثًا عن مكانٍ مّا تحت شمس المتغيّرات الإقليمية، خصوصًا مع تعاظم الدور المصري في المنطقة، تحت قيادة عبد الفتاح السيسي، وعودة دولة قطر إلى الحضن الخليجيّ، وتخلّي سلطان إسطمبول، رجب طيب أردوغان، عن جماعة الإخوان المسلمين وفوقها خطابه العدائيّ تجاه مصر والعربية السعودية والامارات العربية المتحدة.
 بيد أنّ تغيّر خارطة التحالفات الإقليمية لا تعني بالمرة أنّ الأهداف نفسها هي ما يحرّك الرئاسات الثلاث، بل العكسُ تمامًا هو ما يحدثُ، وكأننا إزاء ثلاث سلطات تسعى كلّ واحدة منها إلى إثبات "شرعيتها الخارجية" على حساب البقيّة.

نقل الصراع من الداخل إلى الخارج

وفي هذا الباب، لا يخفى على أحدٍ أنّ رئيس الجمهورية، المنتشي بعلاقاته المتطوّرة مع المشير عبد الفتاح السيسي، يسعى تحديدًا إلى توفير غطاءٍ دوليّ لهُ في مواجهة أعتى خصومه في الدّاخل، ألا وهو حركة النهضة ورئيسها راشد الغنوشي. ولنتفق ههنا على أنّ قيس سعيّد لم يجد عند وصوله إلى كرسي الرئاسة سوى ديبلوماسيّة "دقلة النور وزيت الزيتونة"، وهو التوصيف الذي أطلقته صحيفة "لوموند الفرنسيّة" على الديبلوماسية التونسية، في عهد الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، ووزير خارجيّته خميس الجهيناوي، وفوقها ديبلوماسيّة برلمانية يقودها راشد الغنوشي، رئيس مجلس نواب الشعب، خدمة لأطراف إقليمية معروفة، هي تركيا وقطر، ومجاميع من السياسيين يدينون بالولاء إلى محاور الصراع الخليجي في المنطقة، وآخرون يشتغلون بالقطعة لدى كبرى السفارات الأجنبيّة في تونس.  
على أنّ العبء الأكبر في تراجع دور تونس الخارجّي يتحمّلهُ بلا شكّ راشد الغنوشي، رئيس مجلس نواب الشعب. صحيح أنّ التفاصيل تبدو غير مهمّة في لعبةٍ باتت أوراقها مكشوفة للرأي العام، كما حال لاعبيها، لكنّها تكشف المنهجيّة التي باتت تسيّرُ بها الدولة التونسية، وهي دولة يفترض بأنها مستقلة القرار وذات سيادة، بحكم نصّ الدستور، قبل أن تفضح لعبة المحاور والاصطفاف دون حياء وراء أجندات لا تخدم سوى ثدييّات أعلى السلسلة الغذائية الدوليّة. وفي لعبة التفاصيل تلك، بات راشد الغنوشي يتصرّف وكأنّهُ سكرتير شخصيّ لأردوغان وأمير دولة قطر، مكلفا بمهمة في الشقيقة ليبيا ولدى فائز السرّاج، جارّا تونس، بحكم منصبهِ إلى الاصطفاف وراء أحد طرفي النزاع في تضارب صارخ مع موقف رئيس الجمهورية، قيس سعيد، الداعي إلى الحياد. وهذا ما فجّر بالنهاية الصراع بين قيس سعيّد وراشد الغنوشي، وأنهى حالة "التعايش" المغشوشةِ بينهما.
وإذ انبرى قيس سعيّد إلى الاستفادة من التحوّل السياسي في ليبيا فضلاً عن تمتين علاقتهِ بمصر والإمارات والعربيّة السعودية وحتّى قطر نفسها التي تخلّت عن دورها كمخلب قطّ للأجندة التركيّة، فعل راشد الغنوّشي كلّ ما بوسعهِ، في سقطة سياسية وأخلاقية غير مسبوقة، لاستعداء الإدارة الأمريكية الجديدة، برئاسة جو بايدن على رئيس الجمهورية ورئيسة الحزب الدستوري الحرّ، عبير موسي، ما كشف ضمنًا عن تخوّف إسلامييّ تونس من قوّة الرياح العاتية التي تؤذن بانهيار عهد "الدمى السياسية" التي أفرزتها حقبة الرّبيع العربي.
ولم يكتفِ زعيم النهضة بذلك، إذ كثّف من رحلاته الخارجيّة، فمرة نجدهُ في تركيا وأخرى في قطر، مخفّفًا قدر الإمكان من وطأة ما يفعلُ، وساحبًا البساط من تحت أقدام منتقديه، حين يؤكد أنّ "زياراتهُ شخصيّة"، لكنّها "جلبت منافع للتونسيين"، وهي منافع وهمية لا توجد إلا في خيال "الشيخ" ومناصريه، ذلك أنّ الهدف من زيارتي الشيخ إلى تركيا وقطر لا يخفى على أحد، وهو معرفة موقفُ الدولتين من مستقبل الشراكة مع التنظيمات السياسية المتفرّعة عن حركة الإخوان المسلمين، التي تمثّل خطوط إمداد حقيقية للدولتين، وتحديدًا للأجندة التركية، في المنطقة برمّتها. 

هل أخطأ سعيّد؟

وإن كان الاستقواء بالأجنبي هو أكثر الوسوم أمانة لتحرّكات رئيس حركة النهضة، فإنّ الأداء الخارجّي لرئيس الجمهورية، منذ زيارته إلى فرنسا ولقائه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، التي ووجدها خصومهُ فرصة للتشنيع عليه، لم يسلم هو الآخر من الانتقاد. ففي عهد سعيّد، اتهمت الدبلوماسية التونسية بالخمول وغياب الديناميكية، مع أنّ هذا الاتهام نفسهُ، وهو صادرٌ للأمانة عن أنصار حزبٍ لم يخرج من السلطة منذ العام 2012، يثيرُ السخرية فعلاً. 
وفي الواقع، ثمّة تعريف جميلٌ للديبلوماسيّة، ورد على لسان المهاتما غاندي، إذ عرّفها على أنّها "ذلك الفنّ الذي يجعلك تقول لكلب شرس يا لك من كلب لطيف حتى تجد فرصة لالتقاط قطعة من الحجر".
 وفي تونس، كلّنا نعلمُ أنّ الكلاب الشرسة، تتحرّك في فنائنا الخلفيّ، ومع ذلك، بقينا خلال العشر سنوات الأخيرة، نبحثُ عن فرصة لالتقاط الحجر، وحين عثرنا عليها، أوّل ما قمنا به، هو شجُّ رؤوسنا بهِ، مبتسمين للكاميرات الأجنبية.
ذلك أنّ "دبلوماسيات" سنوات الثورة نسفت تاريخًا مشرّفًا من العمل الدبلوماسي التونسي، حتى في أحلك الظروف التي مرّت تونس، بل وحوّلت كلّ ما أنجزتهُ الثورة التونسيّة وما وفّرته من فرصٍ الاسترخاء تحت شمس الإنسانية بثبات إلى سجّل حافلٍ بالمآسي واللّطخات على غرار الاصطفاف وراء محاور وأحلاف خيانيّة، وتبييض الأموال والإرهاب وتسفير الجهاديين والتهريب والتهرّب الجبائي..
ههنا، وما من شكّ في ذلك، لا دخل لقيس سعيّد في سقوط الدبلوماسيّة التونسيّة داخل دائرة العبث، حتّى اكتسبت ذلك الوسم الشنيع، وسم ديبلوماسية "دقلة النور وزيت الزيتونة".
والكتابُ الديبلوماسيّ، في عهد الثورة، يمكنُ أن نسميّهُ تجاوزًا "كتاب العلل"، فلكلّ علّة موقفُ متأخّرٌ، أو اللاموقف، باستثناء ارتماء راشد الغنوشي في أحضان أنقرة، وارتماء خصومه في أحضان أو ظبي، فضلاً عن ارتماء الجميع في حضن "الكوكو شانيل" معتمرين قبّعات "اليانكيز". 
والكلّ يذكرُ كيف هدّد الرئيس المؤقت محمد المنصف المرزوقي التونسيين، أبناء شعبه، بالويل والثبور، لكلّ من يتطاول على دولة قطر، أمّا الموقفُ من تطاول قطر على تونس، وتسفير الإرهابيين إلى سوريا واليمن وليبيا، فكان مسألة لا تحتاجُ إلى وقفة نقديّة من طرف المتباكين اليوم على ضياع الدبلوماسيّة التونسية، وبعضهم شغل موقعا متقدّما في ديوان الرئيس المؤقت. والكلّ يذكرُ قصص تدخلّ عائلة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي في التعيينات الدبلوماسية، وتخاطف السفارات المهمّة وفقًا للولاءات والمحسوبية والزبونية السياسية، حدّ تعيين نقابي أمني مختص في الفبركة والإشاعات، في موقع أمني حسّاس في سفارة أجنبيّة، بل وحدّ تحويل سفارة تونس بباريس إلى منتجع سياحيّ لآل قائد السبسي، بالمقابل لا أحد فتح فمهُ، لاسيّما "أساطير" الإعلام الفرنكوفوني (هم أساطير فعلاً في تقديم الخدمات المجانية)، حول ضياع فرص جذب الرساميل الأجنبية لتونس في إطار دبلوماسية نشطة، أو تفادي التصنيفات المهينة لتونس وتدعيم موقعها كديمقراطية حقيقية، أو الاشتغال على اللوبيات ومراكز النفوذ دعمًا للاقتصاد التونسي، لأنّ ذلك يعتبرُ من قبيل الترفِ الفكريّ الذي يستهلكُ جهد السفراء  المنشغلين بحمل قفاف التمورِ والزيوت إلى المنتظمات الدولية.

انهيار الدبلوماسية

هل يتحمّل قيس سعيّد أخطاء أسلافه؟ بالتأكيد، لا. يتحدثون عن انهيار الدبلوماسية في عهده وغياب الديناميكية عنها، فأين كانوا حين تحوّلت الدبلوماسية التونسية إلى خرقة، عدد الثقوب فيها أكثر من عدد النجوم في السّماء؟ أين كانوا حين غاب التفاوضُ ومعه المبادرة بخصوص الملفات التي تهمّ تونس قبل غيرها؟ أين كانوا حين صنفت تونس ملاذا ضريبيا؟  أين كانوا زمن حاجة اقتصاد البلاد إلى فتح أسواق جديدة وتنويع الشراكات الاستراتيجية حتى لا تبقى تحت رحمة طرفٍ واحدٍ، هو الاتحاد الأوروبي، ورغبته في توسيع رقعة الشراكة لتشمل قطاعي الخدمات والفلاحة؟ أين كانوا، وصورة تونس، التي نالت نوبل للسلام، تنزلُ إلى قعر الحضيض والتصنيفات تتابع بشكلٍ مؤذٍ؟ أين كانوا وتونسُ تتورّطُ في محاور وأحلاف إقليمية ودولية دون أن تجني من وراء ذلك شيئًا؟ 
يقينًا، إنّ من يحمّلُون قيس سعيّد تراجع الأداء الديبلوماسي، وفقدانه الديناميكية، أو يتهمونه بعقد تحالفات مشبوهة بغرض الانقلاب على المنظومة السياسية الحالية يعرفُون قبل غيرهِم، أنّ كتاب "العلل" في عهد الثورة بات (ولم نقل أضحى) قاعدة شعارها "لكلّ علّة، علّةٌ أدهى وأمرّ منها"....وهي العتهُ والبلاهة. 
ولهذا لا نرى خطأ في ما يفعلهُ قيس سعيّد، أو حتّى في ما ذكرهُ لرئيس الحكومة مؤخرا حين ذكره بأنّ للدبلوماسية التونسيّة ممثّلٌ وحيد. وبخصوص هذه النقطة، لم يكن المشيشي معنيّا حقيقةً بعبارة رئيس الجمهورية، فما يقوم به المشيشي من تحرّكات خارجّية يعدّ جدُّ مفهومٍ بل ومطلوب أمام حالة الجفاف التي تعاني منها المالية العمومية، فضلاً عن الملفات العاجلة كتوفير اللقاحات وغيرها. 
غير أنّ نشاط المشيشي الخارجي بات هو الآخر مستهدفًا من حلفائهِ، فالوعود التي حصل عليها من الأشقاء الليبيين هي نتيجة "علاقات حركة النهضة مع إسلاميي الحكومة الليبية الجديدة"، وزيارته إلى دولة قطر، "مهّد لها راشد الغنوشي"، حسبَ ما تروجه صفحاتهم، مع أنّ الكل يعلم أنّ رحلة الغنوشي إلى تركيا وقطر كانت مخصصة أساسا لبحث مستقبل الحركات الإسلامية بعد عودة قطر إلى الحضن الخليجي، والتقارب الحاصل بين النظامين التركي والمصري. 
ولنكن دقيقين أكثر ونقولُ ههنا إنّ الملفّ الدبلوماسي لم يعد أحد محاور الخلاف بين الرئاسات الثلاث، وتحديدًا بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، بل صار واجهة الخلاف نفسهُ، رغم أنّ حصاد كلّ النشاط الدبلوماسي يميلُ إلى منطقة العدمِ تمامًا. وههنا يعنّ لنا أن نطرح سؤالا بسيطا واضحا ومباشرًا: إذا سقطت الرئاساتُ الثلاث في اختبار "الرمزيّات"، بعد سقوطها في اختبار القيمة المضافة، فكيف سيكونُ حالها مع القضايا والملفات الحقيقية التي ستفرزها بطن مرحلة الركود الخاوية؟

محاور
تقديرموقف
الكلمات المفاتيح
الدبلوماسية قطر قيس سعيّد راشد الغنوشي ليبيا هشام المشيشي
Share