fbpx في تونس: من يزرع الرياح يجني العواصف!! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

في تونس: من يزرع الرياح يجني العواصف!!

Share

 

ليس من بلد في العالم، سواء في الحاضر أو عبر التاريخ، وفي أيّ بقعة في العالم، ينتقل من وضع سويسرا أو فنلندا، على مستوى دولة القانون والعدالة الاجتماعيّة وحريّة التعبير وحقوق الإنسان، إلى ما جدّ في روندا زمن المذابح والحرب الأهليّة، أو ما يجدّ ولا يزال يجري في الصومال من ترهل الدولة وانحلالها، بين عشية وضحاها. أيّ أن ينام الناس على رغد العيش ليستفيق الجميع وقد تأكدوا أن ما كان حلمًا انقضى أو هم يعيشون كابوسًا.

نسبة المنحدر؟

تونس خير دليل على هذا التدهور : تفكّك تدريجي ومعلن للوضع الاقتصادي :
أوّلا : ارتفاع متسارع في أسعار السلع والخدمات، وتراجع للقدرة الشرائيّة، مع ذهاب عدد متزايد من المؤشرات نحو اللون الأحمر، بل اقترابها من منطقة الخطر كما هو حال التداين، في بعده الكمّي، أو في علاقة بالناتج الداخلي الخام، دون أن ننسى تراجع العملة المحليّة أمام العملات الأهمّ، وإن كان الأمر إلى استقرار نسبي راهنًا.
ثانيا : ارتفاع حدّة التوتّر الاجتماعي بنسبة كبيرة، سواء على خلفيّة الارتفاع الكبير في نسبة التضخّم المالي أو تردّي عدد متزايد من العائلات التونسيّة إلى مستوى الفقر، والفقر المدقع أحيانًا، دون أن ننسى إفلاس عدد كبير من المؤسّسات واقفالها، مع ما يعنيه ذلك من ارتفاع عدد العاطلين عن العمل، على مستوى النسبة مقارنة بعدد من هم في سنّ العمل. كذلك بقاء أعداد كبيرة من أصحاب الشهادات الجامعيّة العليا دون شغل وما يؤدّي ذلك إلى هجرة الأدمغة، خاصّة في مجال الطبّ عامّة، وتأثير ذلك على مستوى الخدمات الطبيّة المتوفرة سواء في العام أو الخاصّ.
إلى جانب هذه المؤشرات القابلة للقياس علميا على المستوى الاقتصادي أو التي ينشرها التقرير الأممي السنوي للتنمية على المستوى الاقتصادي هناك إحساس عامّة بالخوف من المستقبل، وعدم تفاؤل بما هو قادم من الأيّام.

راعيها..

إضافة أو ما يتجاوز الأبعاد الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي لا يمكن إنكارها، حالة التردّي التي هي عليها أو تردّيها أكثر بفعل الزمن، هناك إحساس عامّ، لا يحتاج إلى عمليّة سبر آراء، هو يقين يزداد لدى العمق الشعبي بأنّ ما يسمّى النخب عامّة والنخب الحاكمة على وجه الخصوص، تبدو غير معنيّة البتّة بما هو تردّ أصاب الوضعين الاقتصادي والاجتماعي، وبالأخصّ الوضع الصحّي في علاقة بجائحة كورونا، حين تأتي الأخبار بالصوت والصورة، أنّ الحالة في ولاية القيروان تجاوزت قدرة البنية الصحيّة على التحمّل بكثير.
رئيس الحكومة هشام المشيشي يطالب بوضع الخلافات السياسيّة جانبًا وبدل ذلك الاهتمام بأمّهات المسائل، ممّا يعني بهذا الاعتراف الذي نطق به أحد أعمدة النظام الحاكم، أنّ الاهتمام الذي تبديه الجهات الحاكمة، لا يعني أو بالأحرى لا يعتني بما هو الوضع في جانبه الاقتصادي كما الاجتماعي، أو وضع الجائحة في ولاية القيروان وما سيلي حتما من ولايات أخرى.
عجمي الوريمي، الذي لا يحتلّ مكانة مرتفعة ضمن هرم النهضة، لكن يمثّل إحدى الضمائر الناطقة ضمن الحركة، كتب نصّا على صفحته على الفايسبوك تحت عنوان «متى يتكلم الغنوشي؟»، جاءت أهمّ فقرة فيها كالتالي : «نحن أيضا نود أن نرى حديث الصراحة والأمل حول التجربة حول السلطات والمؤسسات حول الحكومة ومصيرها حول الأزمة وكيفية الخروج منها حول المصالحة الوطنية ومن عطلها حول العدالة الانتقالية وفائدتها للبلاد واستقرارها حول التنمية والإصلاحات والانتعاش الاقتصادي المتعثر حول الدستور والقانون الانتخابي واستكمال المؤسسات الدستورية وعلى رأسها المحكمة الدستورية حول العلاقة بين الشيخ الرئيس وبين قيس سعيد حول التحولات في المنطقة وتأثيراتها على بلادنا وحول الانتخابات الماضية والقادمة وظواهر الشعبوية والإقصاء والتوافق بين التيار الإسلامي والتيار الوطني وحول الشباب ومشاركته السياسية وحول الأحزاب والنخب والإعلام ودورها في بث روح الأمل واقتراح الحلول او بث روح الإحباط واليأس..»

ملح الديمقراطية

كما يبدو تأتي هموم الشارع مجرّد جملتين في عطف على سلسلة من الجمل الأخرى تخصّ شأنا سياسيّا بحتًا لا علاقة له بهموم الشارع. وجب الاعتراف أنّ من الشعبويّة القول بوجوب أن تهتمّ الطبقة السياسيّة بما هي هموم الشعب حصرًا، لأنّ الجزء الأكبر من هذه الهموم قائم، أو بالأحرى يجد حلّه ضمن الحلول الناجمة عن الخلافات بين الأطراف السياسيّة.
لذلك لا ضير في أعرق الديمقراطيات أن يتخاصم الفرقاء السياسيين، بل هذا الخصام يشكّل جزءا من ملح اللعبة الديمقراطيّة، لكنّ المصيبة تكمن في درجتين :
أوّلا : أن تُعرض النخب السياسيّة عن الهموم الشارع وتدير ظهرها لما هي المطالب اليوميّة لعمق شعبي ترتكز همومه في بعد الأمن وكذلك الرخاء.
ثانيا : إحساس العمق الشعبي بأنّ القيادات السياسيّة لا تولي أهميّة للأولويات المعلنة من قبله، مثل غلاء المعيشة والبطالة وتراجع الخدمات الطبيّة خاصّة في ظلّ جائحة كورونا.

ديمقراطيّة البلاستيك

من أخطاء الطبقة السياسيّة الماسكة لشؤون البلاد، أنّها تعتبر صراعاتها الفوقيّة أولى بالاهتمام، بل تعتبرها أمر سابق لأيّ خطّة تنمويّة، مستريحة إلى أنّها في الحكم نتاج عملية ديمقراطيّة وأنّ الشرعيّة يوفّرها الصندوق ولا يمكن نزعها سوى من خلال الصندوق، ممّا جعل هذه الطبقة السياسيّة على يقين بأنّها تتمتّع بفترة سماح مدّتها فترة انتخابيّة بكاملها، في حين أنّ العمق الشعبي، الذي لم يصوتّ في نسبة معتبرة، لا يعتبر التصويت صكّا على بياض، لا يجوز مراجعته بين موعدين انتخابيين.
عديد الدلائل بالمفهوم العلمي، تؤشر لحالة غليان تشقّ العمق الشعبي، بدءا بالصدمات التي شهدها حيّ الانطلاقة قبل أشهر مرورًا بالعنف الذي عرفته شوارع منطقة سيدي حسين السيجومي منذ أيّام، نهاية بحال اليأس الذي مسّ الجهات الداخليّة، أيّن اليقين قائم بأنّ علاقتهم بالعاصمة، لا تختلف عمّا كانت بين الدواخل وعاصمة الإيالة في الفترة التي سبقت ثورة علي بن غذاهم، دون أن ننسى عنف الملاعب، أخرها ما جدّ في ملعب الملاّسين.
الخلاصة : الديمقراطيات الجميلة بذاتها، أسوة بشجر البلاستيك، لا تطعم الجياع الذين لن يرضوا سوى بما يسدّ جوعهم.
 

 

محاور
شكشوكة محرحرة
الكلمات المفاتيح
راشد الغنوشي الرياح العاصفة الأزمة السياسية قيس سعيّد
Share
تقرؤون أيضا