fbpx من يحكمُ تونس اليوم؟ | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

من يحكمُ تونس اليوم؟

Share

 

في تونس اليوم ثمّة انسجامٌ معلنٌ بين الرئاسات الثلاث حول أسباب الأزمتين الاقتصادية والاجتماعيّة ومسبّباتهما وانعكاساتهما، واعتبار أنّ ما تعيشهُ البلاد هو الأخطر على الإطلاق منذ عقود، بيد أنّ هذا الانسجام لا يغادرُ قطّ منطقة "الشكل" أو بالأحرى منطقةَ التصريحات الإعلاميّة، لا بسبب فتور العلاقة بين المقاطعات الثلاث التي تتحكمّ في مصير 12 مليون تونسي، وسياسة الضرب تحت الحزام التي ينتهجها هذا الطرفُ أو ذاك، ولا حتّى بسبب طبيعة النظام السياسي الذي لا يمنحُ سلطات مطلقة لأيّ رئيس من الرؤساء الثلاثة، مفضّلا "توزان الرّعب" على "نجاعة العمل السياسي" فحسب، وإنّما لسبب آخر بالتأكيد، هو تخوّف كلّ طرفٍ من هذه المرحلة الحليقة على الصفر، حدّ تقاذف الكرة على مرأى ومسمع من الشعب التونسي.
والحق أنّ لا أحد من الرؤساء الثلاث أثبت إلى حدّ الآن أنّهُ قادرٌ على المبادرة والتقدّم إلى إدارة دفّة السفينة التي تتقاذفها الأمواجُ الهائجة، بل العكسُ هو ما يحصلُ، إذ بات واضحًا إحجامُ كلّ طرفٍ عن التورّطِ في ما يحدثُ بالبلد، تخوّفا من تغيّر مفاجئ في المعادلة السياسية.

أشباح قيس سعيّد

 ولنبدأ برئيس لجمهوريّة قيس سعيّد الذي تحوّل إلى أحد رؤوس الأزمة السياسية الأخيرة التي تعرفها البلاد، بعد انقطاع حبلي الودّ والتواصل بينه وبين رئيسي الحكومة ومجلس نوّاب الشعب.
 فرئيس الدولة ما يزالُ إلى الآن مصرّا بالذهاب إلى الأزمة إلى حدّ الصدام إن لزم الأمر، غير مبالٍ باستتباعات عدم استكمال الجهاز الحكومي، واستمرار وضعيّة "الإنابة"، على وضعيّة الدولة وعلاقاتها الخارجيّة، خاصة في جانبها الماليّ. وما عدا بعض التصريحات من هنا أو هناك، بدا الرئيس وكأنّه يعيشُ على سطح كوكبٍ درّي، بعيد آلاف الأميال الضوئية عن بلدٍ تنهشهُ صراعات السلطة، بين أحزاب الحكم والمعارضة، على حساب القضايا المركزية للبلد. وإذ يبدو موقفُ الرئيس مفهوما، بالنظر إلى مسؤوليّته في اختيار المشيشي، اختيارٌ وسم الحكومة في بدايتها بوسم "حكومة الرئيس"، ولكن ذلك لا يفسّر بالنهاية عجزهُ عن تجاوز "الضغائن"، والخروج من جلباب رجل القانون الصارم والمتكلّس، ولعب دوره كرمز موحّد للتونسيين.
الأغربُ من ذلك، أنّ الرئيس لم ينفكّ في تصريحاته الإعلامية في الداخل والخارج، عن الإشارة إلى وجود مؤامرات تحاكُ ضد البلاد، ومحاولات انقلابية، ومتآمرين يتربصون شرّا بتونس، دون أن يسميهم أو يعينهم باصبعه الرئاسيّ، ما حوّل الأمر إلى حفل أشباح نسمعُ عنهُ ولا نراه. ثمّ ما الذي حقّقهُ الرئيس منذ وصوله إلى قصر قرطاج؟ صحيح أنّه بات يتحرّك خارجيّا على أرضيّة صلبة، وقد غادره ارتباك البدايات، لكنّ داخليّا، لم ينهضُ الرئيس بدوره "الرئاسي" إلى حدّ الآن، وذلك على مدى سنتين كاملتين، فلا هو قدّم مبادرات ولا هو أثبت أنّ لهُ الكلمة الفصل، باعتباره الوحيد المنتخب على نحو مباشر من الشعب التونسي، بل ما صرنا نعاينهُ بامتعاض كبير، من عزفٍ غامض على انقسامات التونسيين، بلغ حدّ التشويه والتخوين، ينسفُ عمليّا صورتهُ كضامن وحيد لوحدة التونسيين، فضلاً عن استتباعات ذلك، اقتصاديّا واجتماعيا، في وقت تحتاجُ فيه البلاد إلى عقلٍ "متحرّر" يقودُ المرحلة بدهاء وحنكةٍ، حتى وان اقتضى الأمرُ تقبيل أفواه الأفاعي.

صداع راشد الغنوشي

من جهتهِ لم يتوقّع رئيس مجلس نواب الشعب، راشد الغنوشي، أن يضعهُ كرسيّ الرئاسة الذي لهث خلفهُ، أمام أشد كوابيسهِ ضراوةً، ففقد كلّ قيمته الاعتبارية، كرجل ظلّ يتحكم في اللعبة السياسة من وراء الستار، وكمحكم في توازنات المشهد السياسي، خصوصا بعد رحيل الباجي قائد السبسي، ومن ثمّة تحوّلَ إلى هدف محبّذٍ لسهام النقد، سواء من خصومهِ الأيديولوجيين، أو حلفائه المقرّبين أو حتّى من أبناء حركتهِ، على خلفية تحركاته هو وأقاربه من أجل تمديد عهدته على رأس حركته. إنّ خروج راشد الغنوشي من "السريّة" إلى العمل السياسي العلني، وفي موقع هو الأخطر على الإطلاق، باعتبار أن البرلمان هو مصدر السلطة الأساسي، أفقد الأسطورة بريقها وسحرها وأظهرهُ في مظهر العاجز أمام خصومه، يتلقى انتقاداتهم وشتائمهم دون قدرة على الردّ. والواقع، أن الغنوشي وجد نفسهُ مسحوبا إلى لعبةِ تفتيتٍ للسلطة كان هو من ابتكرها، بسبب إصراره على التخندق سياسيا وفكريا وراء أطراف إقليمية، ما أنساهُ تمامًا حسابات الداخل. إذ اصطدم برئيس الجمهورية في أكثر من موقعة، وبالأحزاب المشكلة للائتلاف الحاكم، ناهيك عن خصمه اللدود داخل المعارضة، أي الحزب الدستوري الحرّ. أضف إلى ذلك، يبدو "شيخ مونبليزير" منشغلاً أكثر بترتيبات حزبهِ الداخلية، وتوفير الظروف الملائمة لكي يخلف نفسهُ بنفسه على رأس الحزب، وهو ما أبعدهُ نسبيا عن المساهمة بفاعليّة في إدارة الشأن العامّ تشريعيّا على الأقل، وتكفي إطلالة بسيطة على عدد مشاريع القوانين التي تقدمت بها حركة النهضة، وطبيعتها، حتّى نقفَ عن على فراغ "جعبة" الحزب الأغلبيّ ورئيسهِ، علاوةً على تخوّفه من تحمّل مسؤوليّة إدارة المرحلة برمّتها وهو ما يفسّرُ اختباءه المزمن وراء معارضة رئيس الجمهورية ودفاعه "الأرعن" عن حزام سياسيّ هشّ،  ما يكشف خوفه من المخاطرة بموقعه، على الأقلّ في هذه المرحلة. 

أخطاء المشيشي

ثالث الثلاثة، المحظوظ والمتغطرس في الآن نفسه، هو هشام المشيشي الذي تسبّبت أخطاءه الكثيرة في إدخال البلاد في دوّامة جديدةٍ، عنوانها الرئيس الأزمة المالية. كان على المشيشي منذ البداية أن يحفظ ماء وجههِ ويستقيل بعد رفض رئيس الدولة المصادقة على تركيبته الحكومية، بيد أنّه خيّر أن يهرول على الأمام، رغم أن النتيجة قد تكون هي نفسها، أي الخروج من الباب الصغير مع الإذلال. وههنا، سنكتفي بالإشارةِ إلى أنّ المشيشي ليس أفضل حالاً من شريكيه في السلطة التائهة، إذ بات بدورهِ عاجزًا عن إدارة الشأن العامّ، بعد أن فقد رصيدهُ الأخلاقيّ، رغم استماتة حزامه السياسي في الدفاع عنه، وهي استماتة مرتبطة أساسا بتخوّف أحزاب التحالف من تحرّكات طبقات المشهد السياسي التكتونية، وتعاظم دور الدستوريّ الحرّ إلى حدّ بات معه قادرًا على ابتلاع نصف المشهد برمّته، علاوةً على مناورات رئيس الجمهورية، على الأقل في شقها القانوني، وإدراكها بأنّ سقوط الحكومة، يعني آليا تغيّر المعادلة السياسية وعلى نحوٍ دراميّ. ومن ثمّ فإنّ دفاع الوسادة السياسية عن المشيشي لم يكن يوما (ولن يكون) دفاعا مبدئيّا بقدر ما هو استباقٌ لمرحلة مجهولة، تعوزها التجربة السياسية على خوض غمارها، عكس الدستوريّ الحرّ الذي بات قادرًا على استيعاب تقلّبات المشهد السياسي. وكلّ هذا لم يكنُ له أن يحدث لو لم يحنث المشيشي بقسمهِ ويخرق الدستور والقوانين من أجل مصالح شخصيّة ضيّقة وتحقيق منافع له ولشركائه السياسيين. وباستثناء أخطاء رئيس الحكومة المتراكمة، ليس ثمّة ما يستحق الحديثُ عنهُ كحصيلة إيجابية، فالحصاد الاقتصادي سلبيّ، وثقيلٌ للغاية، وفجوات المالية العمومية آخذة في الاتساع، وافلاس الدولة بات على مرمى البصر، فضلاً عن تصاعد وتيرة الاحتجاجات التي لم يجد بدّا من استخدام العصا الأمنية للتعامل معها، وهو ما أسقطهُ نهائيا من حسابات الشعبُ التونسي.
ممّا تقدّم، تبدو الصورة أكثر من مؤلمة لنا كتونسيين، مع رئاسات مفتّتة، وحسابات سياسية ضيّقة نسفت أيّ أمل في الإصلاح، وأخطاء قاتلة كشفت الوجه القبيح للفساد المؤسساتي، وغياب إرادة حقيقية في معالجة أعطاب البلد، طالما أنّ هدف القيادات الثلاث، هو إنهاء العهدة، دون خسائر جسيمة، حتى وإن كانت تونس وشعبها هما الخاسر الأكبر في كلّ ذلك.
 

محاور
تقديرموقف
الكلمات المفاتيح
الحكم تونس قيس سعيّد الرئاسات الثلاث راشد الغنوشي هشام المشيشي
Share